برز الثعلب يوماً

نشر في 17-04-2026
آخر تحديث 16-04-2026 | 18:04
 د. محمد عبدالرحمن العقيل

تعرَّفت على «الوسط الديموقراطي» عندما دخلت كلية الهندسة في أوائل التسعينيات. كُنَّا طلبة مراهقين، نُريد أن نتعرَّف أكثر على الحياة ونجرِّب كل ما هو جائز- وأحياناً غير جائز. دخلنا الكلية، وكان الصراع على مجلس اتحاد الطلبة محتدماً بين قائمتين رئيسيتين، الوسط الديموقراطي بتوجيهٍ ليبرالي، وقائمة الائتلافية بتوجيه جماعة الإخوان المسلمين. 

كان شقيقي الأكبر مع زملائه يؤيدون فكر الوسط الديموقراطي، وقد صوَّروه لنا بأفضل صورة، فتأثرت بهذا التوجه، وشاركتُ بحماسة في الأنشطة الانتخابية.

في تلك الفترة اشتهرت أهزوجة أو «شيلة» جميلة كان يتغنَّى بها أبناء «الوسط الديموقراطي» للتهكم على القائمة الائتلافية، فقد أخذوا قصيدة أمير الشعراء (برز الثعلب يوماً...)، لكنهم استبدلوا كلمة الثعلب بـ «الإخونجي». في المقابل، كانت القائمة الائتلافية ترد عليهم بالمثل، مستبدلين الثعلب باليساري أو الليبرالي، ويهتفون بها بسمَّاعاتهم العالية في وقت الانتخابات. 

بصراحة، كُنت أشعر بقوة أداء «الوسط»، رغم إمكانياتهم المتواضعة، فكان حماس الشباب أقوى من ميكروفونات «الائتلافية». والطريف في الموضوع أنهم كانوا يصيحون بقوة: «وَاطلُبوا الديكَ يُؤَذِّن... لِصَلاةِ الصُّبحِ فينا»، ولا تجد أحداً منهم في صلاة الصبح! وأنا أولهم.

لم أستمر كثيراً في الكلية، وذهبت لاستكمال دراستي بالولايات المتحدة الأميركية، وتركت الليبراليين والإخوان يتعاركون على الكراسي، وتركت كل هذه الهموم التي أشغلونا بها. وخرجت من هذه الكلية ولم أحمل معي إلا شيئين: ذكريات ممتعة لشبابٍ طائش يبحث عن مكانه في المجتمع، ونفور من جماعة الإخوان، بسبب تحزبي لـ «الوسط».

وبعد مرور أكثر من 35 سنة سمعت هذه الأهزوجة الجميلة تظهر لي صدفةً بـ «إنستغرام» بإخراج رائع بالذكاء الاصطناعي، وقد استبدل المخرج كلمة الإخونجي أو الليبرالي بلفظ «الكلكجي». 

بصراحة، كانت الأغنية لطيفة، وفيها شيء مضحك، لكنها للأسف مالت للتطرُّف. فقد احتكر مخرجها النصابين بهيئة رجال الدِّين فقط! ولم أجد أي «بدْلة» في المقطع، رغم أن نصَّابي «البِدل» أشدُّ فتكاً من «الدشاديش» القصيرة. ولو أنه أظهر جميع فئات النصابين لكان أكثر عدلاً وانصافاً.

اليوم، وبعد ما شهدناه من تحوُّلات وصراعات وتهديدات حقيقية تمسُّ أوطاننا، أدركتُ أن خصوماتنا القديمة كانت سطحية، أو على الأقل لم تكن تُصيب موضع الخطر الحقيقي. فقد أخطأنا الهدف، وضيَّعنا العنوان!

فأبناء الكويت، على اختلاف توجهاتهم- سواء من «الليبراليين» أو «الإخوان»، وأقصد إخوان الكويت فقط- لم يكونوا يوماً أعداءً للوطن، بل كانوا، رغم تباينهم، ينتمون إليه بصِدق، ويجتمعون على حُبه. 

أما الشرخ الأعمق، والفتنة الأخطر، فلم تكن تنبع من هذا الاختلاف الداخلي، بل من مشاريع خارجية سعت إلى تمزيق النسيج الوطني. واكتشفت أيضاً، وبعد دخولنا في حرب الصواريخ والمسيَّرات والخلايا الإرهابية، أننا كُنَّا نغنِّي هذه الأهزوجة بشكلٍ خاطئ لأكثر من 40 سنة! 

كان من الأولى أن ننشد جميعاً عند أول ظهور للعميل الإيراني الذي نزل من الطائرة الفرنسية: «برز الإيراني يوماً... بالعِمامة الفارسية». كان يجب أن نقف وقفة رجلٍ واحد في وجه هذا العدو الخارجي، الذي جاء لتصدير الإرهاب وتمزيق الأمة وإشعال الحروب.

 

back to top