وجهة نظر: قيادة المنظمات الاقتصادية الدولية... من الترشح إلى الاختيار
يتداول بين الحين والآخر دور بعض، وأحياناً العديد، من المنظمات الاقتصادية، وغير الاقتصادية، العربية في خدمة أغراضها التي أنشئت من أجلها، خصوصاً في أوقات الأزمات الإقليمية والدولية، علماً بأن هناك حوالي 14 منظمة عربية تابعة لجامعة الدول العربية، وعشرات المنظمات العربية الأخرى. ولعل من أهم الاعتبارات الواجب الانتباه لها والتي تؤثر على «نوعية» أداء هذه المنظمات، هي تلك المرتبطة بآلية اختيار المسؤولين عن إدارة هذه المنظمات، ومدى سيادة مبادئ الحوكمة والمساءلة، والتي تعتبر من أهم صمامات الأمان لإدارة هذه المنظمات على أسس من الكفاءة والموضوعية، وبعيداً عن أي اعتبارات أو علاقات شخصية، أدت وتؤدي إلى تواضع مساهمات هذه المنظمات.
ولغرض تحديد هذه الاعتبارات (الموضوعية) والقائمة على أسس الحوكمة والمساءلة، يمكن الاستشهاد بالآليات المتبعة في اختيار المسؤولين عن إدارة عدد من المنظمات الاقتصادية الدولية (مع وجود بعض نواحي القصور، إلا أنها لا تمثل القاعدة). ومن هذه المنظمات، على سبيل المثال وليس الحصر، وما تتبعه من الآليات المعتمدة على قواعد مؤسسية راسخة، هي منظمات البنك الدولي Worl Bank، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية أيفاد IFAD (الذي رأسه سابقا أحد الخبرات الكويتية الكفوءة، ولمدة دورتين، 1993 - 2001)، ومنظمة التجارة العالمية WTO.
وفيما يتعلق بالبنك الدولي فإن عملية اختيار المدير العام، رئيس البنك، تتم من خلال مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية IBRD، وبعضوية 189 بلد حالياً، منها 22 بلداً عربياً (وجرى العُرف، تاريخيا، على اختيار مرشح الولايات المتحدة الأميركية). وتبدأ آلية اختيار الرئيس بدعوة مجلس المديرين التنفيذيين لاستلام أسماء المرشحين من الدول الأعضاء، وتقوم لجنة الاختيار بدراسة وتقييم خلفيات المرشحين، وإعداد قائمة مختصرة من المرشحين تتضمن ثلاثة مرشحين. ويعقب ذلك قيام المجلس بمقابلة المرشحين، وما ينتج عن ذلك من اختيار المرشح الأميركي (حالياً آجاي بنجا، الذي رأس غرفة التجارة والصناعة الدولية، وشركة ماك ماستر، ونائب رئيس جنرال أتلنتك، وعضو معهد الجاهزية السيبرانية، والصليب الأحمر الأميركي، والعديد من الشركات والمؤسسات الأخرى. وجاء بهدف رئيسي وهو الحد من الفقر بالعالم، وربط 300 مليون إفريقي بالكهرباء، ضمن أهداف أخرى)، ويجب أن يتوفر في المرشح لمنصب الرئيس قدرات إدارية متميزة في التنمية، مع خبرة واسعة في الموسسات الدولية، ورؤية واضحة لدور البنك الدولي، وعلاقات دولية راسخة.
أما في حالة منظمة الإيفاد (ذات عدد الأعضاء البالغين 180 بلداً، منهم 22 بلداً عربياً تحت فئة B، أي البلدان العربية الأعضاء في أوبك، وفئة C، أي البدان العربية المصنفة كبلدان نامية)، فترسل دعوات الترشح لمنصب رئيس الصندوق إلى الدول الأعضاء قبل 60 يوما على الأقل من موعد اختيار الرئيس الجديد. بعدها تقوم هذه الدول بإرسال أسماء مرشحيها مرفقة مع سيرهم الذاتية، وإجاباتهم على الأسئلة المرسلة مسبقا والمرتبطة برؤيتهم الاستراتيجية لإدارة المنظمة. ثم تتم دعوة المرشحين، بعد استلام إجاباتهم، لاجتماع مفتوح مع ممثلي أعضاء الإيفاد لمناقشة إجاباتهم على الأسئلة السابقة، واختبار كفاءتهم وقدراتهم اللغوية من خلال المناقشة.
أما فيما يتعلق بالتصويت على اختيار المرشح فتتم من خلال مجلس المحافظين، ويستلزم فوز المرشح حصوله على أصوات الثلثين، على الأقل، من أعضاء المجلس، ومن خلال التصويت السري، وتحت رقابة ثلاثة من أعضاء المجلس. وفي حالة عدم الحصول على الثلثين، يعاد التصويت في جولة ثانية، بعد استبعاد من حصل على أقل الأصوات من المرشحين في الجولة الأولى. ومن الشروط العامة التي يجب توفرها في المرشح توفر شروط القيادة الاستراتيجية، وفهم عميق لعمل الصندوق، وخبرة في إدارة الموارد المالية، وتمكن من اللغة الإنجليزية (ويفضل من لغات أخرى).
أما عن كيفية اختيار المدير العام لمنظمة التجارة العالمية (ذات الأعضاء البالغين 166 بلداً، منهم 14 بلداً عربياً) فتقوم الدول الأعضاء بتقديم مرشحيها للمنصب، ويقوم المرشحون بمقابلة ممثلي الدول الأعضاء أو ما يسمى Confessionals لعرض آرائهم الخاصة بعمل المنظمة. ويقوم رئيس المجلس العام بالتشاور مع رؤساء جهازي تسوية المنازعات، ومراجعة التجارة (الترويكا Troika)، بهدف تقييم كل إمكانيات مرشح. بعد ذلك تعقد الترويكا عدداً من المقابلات مع ممثلي الدول الأعضاء بالمنظمة لتلمس مدى دعمهم لأي من المرشحين من قبل الدول الأعضاء. ويتوقع، بالاعتماد على نتائج هذه المقابلات، استبعاد مرشحي الدول الذين لم يحصلوا على الحد الأدنى من الإجماع على ترشحهم لمنصب المدير العام للمنظمة. وكخطوة لاحقة، يقوم المجلس العام، ممثلا برئيسه، بدراسة التوصيات، بهدف ترشيح المدير العام الجديد، وبالاعتماد على مبدأ الإجماع، وليس أغلبية المجلس. مع سيادة مبدأ تداول منصب المدير العام بين البلدان المتقدمة، والنامية.
والآن وللإجابة على السؤال المتداول بين الحين والآخر، والمشار إليه في الفقرة الأولى من المقال، فإن مقارنة بسيطة بين آليات اختيار العديد من مسؤولي المنظمات العربية، ومقارنتها مع ما ورد أعلاه من آليات تخص عدداً من المنظمات الاقتصادية الدولية، كفيلة بأن تساهم في الإجابة على السؤال الخاص بأحد الأسباب الرئيسية المسؤولة عن أداء العديد من هذه المنظمات، خاصة في أوقات الأزمات.
* مستشار اقتصادي