تقرير اقتصادي: الحرب الإقليمية تكتب دروس الاقتصاد... فمن يستوعبها؟
• مرونة المالية العامة مع توقّف تصدير النفط تتطلب احترافية توفير السيولة
• الاستجابة اللوجستية والأمن الغذائي والاستعداد التكنولوجي... دروس ينبغي عدم تفويتها
• المسجلون على الباب الخامس بحاجة إلى إجراءات تيسيرية وسياسات تحفيزية
بينما يترقب العالم تحوّل عمليات الحرب الإقليمية إلى حصار وإغلاق اقتصادي متبادل بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران حول مضيق هرمز والموانئ البحرية الإيرانية، تبرز العديد من الدروس والعِبَر التي تستحق الاستفادة لدول مجلس التعاون الخليجي، وتحديداً الكويت، خصوصاً أن توقف الحرب المؤقت أو الهش لم يُفضِ إلى إحداث تحوّل في تخفيف المخاوف الاقتصادية، لا سيما تلك المتعلقة بتداعيات إمدادات الطاقة أو البضائع، فضلاً عن الخدمات والأثر الضاغط على المالية العامة.
هذه التداعيات تكتسب أهميتها في كون الأزمة الإقليمية لا تزال مستمرة وإن توقفت العمليات العسكرية، فضلاً عن أن المفاوضات بين طرفي الحرب، وحتى عمليات حصار الموانئ وإغلاق المضيق، يأخذان مدى زمنياً غير محدد، مع تأكيد احتمال عودة الحرب في أي لحظة.
توتر وإمدادات
وفي كل الأحوال تعيش المنطقة أجواء مرتفعة في التوتر الجيوسياسي بتداعيات اقتصادية غير مسبوقة إقليمياً وعالمياً تتعلق بإمدادات الطاقة والبضائع والتضخم والنمو الاقتصادي عبَّرت عنها - بعد توقّف الأعمال العسكرية - مجموعة جهات دولية مهمة، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية ومنظمة أوبك، وغيرها من الجهات الاقتصادية والبنوك العالمية.
مرونة المالية العامة
في حالة الكويت، فإن من أهم الدروس المستفادة من الحرب، وما تلاها من أحداث وتوتر، هو ما يتعلق بمرونة المالية العامة في مواجهة التحديات أو الصدمات، فالبلاد دخلت في شهرها الثاني من إعلان القوة القاهرة التي أوقفت تصدير النفط، بالتوازي مع دخول السنة المالية الجديدة 2026 - 2027 بنفس الفرضيات التي بنيت عليها قبل الحرب من حيث مصادر الإيرادات، نفطية وغير نفطية وتركيبة المصروفات الجارية أو الرأسمالية وسعر أساس وحجم إنتاج وعجز متوقع، وغيرها من الفرضيات التي غيّرتها الحرب الإقليمية بصورة جوهرية.
وقد كان لافتاً أن المؤتمر الإعلامي الذي عقده وزير المالية بداية الشهر الجاري بشأن ميزانية 2026 - 2027 لم يتضمن أي إشارة إلى أسئلة جوهرية تتعلق بتداعيات الحرب الإقليمية على الاقتصاد الكويتي والمالية العامة وتأثُّر الإيرادات أو إعادة توجيه المصروفات، فضلاً عن الآليات المتعلقة بكيفية تدبير السيولة النقدية للمالية العامة في ظل المصاعب التي تفرضها القوة القاهرة على تصدير النفط أو المدة التي تتطلبها إعادة الإنتاج بعد استقرار الأوضاع في المنطقة، والتي تأخذ مدى زمنياً - حسب مؤسسة البترول الكويتية - ما بين 3 و4 أشهر.
لذلك من المهم أن تتوافر لدى الإدارة العامة وسائل وبدائل واضحة واحترافية ومرنة في سبيل توفير السيولة اللازمة لتيسير احتياجات الخدمات والاقتصاد، خصوصاً أن بعضها قد يتطلب تسييلاً أو مبادلة للأصول السيادية أو توسعاً وتنوعاً في أدوات الدَّين العام، وفي كل خيار ثمَّة درجات متنوعة للمخاطر.
لا وضوح بالرؤية تجاه مصير العمل والتعليم عن بُعد أو المشاريع الصغيرة أو فتح المطار أو عودة الموسم الرياضي
الاستجابة اللوجستية
لعل الحرب الإقليمية وما ترتب عليها من إغلاق غير مسبوق لمضيق هرمز قد بيَّنت الأهمية القصوى لعملية رفع الاستجابة اللوجستية المرتبطة بتوفير الإمدادات الضرورية التي يحتاجها السوق المحلي، لا سيما أن الكويت تستورد نحو 90 في المئة من احتياجاتها الغذائية والدوائية والاستهلاكية من الخارج، ويمثل النقل البحري ما لا يقل عن 70 بالمئة من إجمالي الاستيراد من الخارج، وهو ما يتطلب خلق منظومة لوجستية مساندة ذات امتداد إقليمي وبنية تحتية طارئة لخدمات النقل والتخزين والتوريد وغيرها في سبيل توفير أقصى ما يمكن من احتياجات، في ظل واقع جغرافي صعب وتحذير عالمي من تنامي صعوبات الإمدادات.
الأمن الغذائي
من المهم إعادة التذكير بأن ملف الأمن الغذائي يكاد يكون حاضراً في أي أزمة أو حتى مشكلة تواجه الاستيراد أو الإمدادات في العالم، وليس أدلَّ من فترة كورونا التي بيَّنت أهمية تحقيق الأمن الغذائي مع قيود الإنتاج والإمداد التي فرضتها الجائحة.
وهنا لا بُد من الإشارة إلى أن مسألة الأمن الغذائي أعمق بكثير من الاطمئنان إلى المخزون الاستراتيجي من الغذاء، فالأول مرتبط بمدى وجود قاعدة إنتاجية أو مضمونة التوريد إلى الأسواق المحلية، وهو ما يتطلب إعادة النظر في الفاعلية التي تحققها مئات إن لم يكن آلاف المزارع و«الجواخير» على توفير مستلزمات الأمن الغذائي في البلاد، علاوة على ضرورة توجيه القطاع الصناعي نحو الصناعة الغذائية، وأيضاً الدوائية، فضلاً عن تأسيس كيانات غذائية ضخمة عبر نظم الشراكة أو الاستثمار الأجنبي.
الأمن الغذائي أعمق بكثير من الاطمئنان إلى المخزون الاستراتيجي... ويتطلب استثمارات ضخمة
الاستعداد التكنولوجي
وتُعد مسألة الفاعلية التكنولوجية في غاية الأهمية لارتباطها بمجالات متعددة تتعلق بأعمال الأفراد والمؤسسات، إذ يتم من خلالها تطبيق التعليم والعمل عن بُعد، وهما إجراءات فرضتهما الظروف في أضيق النطاقات، مما يتطلب دائماً دراسة مستوى الفاعلية في كل منها لتطوير نتائجه، وليكون على قدر مرتفع من الكفاءة في أوقات الضرورة، مع تأكيد أن الاستعداد التكنولوجي يتطلب أيضاً اختبارات متواصلة لمستوى حماية البيانات والأنظمة في القطاعين العام والخاص.
الباب الخامس
صحيح أن ثمَّة سياسات وقائية اتخذها بنك الكويت المركزي في اتجاه تخفيف أعباء تداعيات الحرب الإقليمية على أصحاب الأعمال من خلال حزمة تحفيزية للبنوك المحلية تتعلق بمرونة التعليمات الرقابية وأدوات السياسة التحوطية، إلى جانب السماح للبنوك بتأجيل أقساط أصحاب الأعمال المتضررين من الحرب، فإنه من المهم أن تكون ثمَّة إجراءات تحفيزية مؤقتة للمسجلين على الباب الخامس من المبادرين، وعددهم نحو 16 ألف مبادر، تتعلق بمضاعفة بدل دعم العمالة أو إجراءات تيسيرية من الصندوق الوطني للمشروعات الصغيرة والمتوسطة على صعيد تأجيل استقطاعات الأقساط.
فضلاً عن ضرورة تقديم الصندوق سياسات تحفيزية، كأن يمثّل دوراً كمنصة وساطة بين الجهات الحكومية والخاصة وبين المبادرين، لا سيما فيما يتعلق بتسهيل الإجراءات وإعادة ترتيب التمويل أو أعمال الاستشارات وغيرها.
مؤتمر وزير المالية بشأن الميزانية الجديدة لم يتضمن أي إشارة إلى تداعيات الحرب على الاقتصاد الكويتي
السياسة الاقتصادية
ورغم أن مجلس الوزراء يضم في عضويته أكبر عدد من الوزراء المعنيين بالشؤون الاقتصادية (المالية - التجارة - الاستثمار - التنمية - النفط)، فإن هذا العدد لم يُفض إلى سياسة اقتصادية واضحة تجاه تداعيات الحرب الإقليمية كأن تتعلق بالميزانية العامة وكيفية تمويلها وأولويات مصروفاتها في الفترة المقبلة، أو وضوح الرؤية حول مصير العمل والتعليم عن بُعد أو المشاريع الصغيرة أو حتى فتح مطار الكويت الدولي أو عودة الموسم الرياضي، وغيرها من الملفات التي لا تحتاج إلى قرار من وزير، بل سياسة حكومية اقتصادية واضحة ومتعددة السيناريوهات والاحتمالات.
الاستفادة من الدروس
هكذا هي الأزمات والأحداث الجسيمة مليئة بالدروس والعبرة في الاستفادة منها أو مواكبة تطوراتها، خصوصاً في ظل هذه الحرب الإقليمية التي تعرّضت فيها الكويت مع دول الخليج الأخرى لاعتداءات ونيران حرب لا علاقة لها بها، وظلت تحت رهن تداعياتها وتأثيراتها، خصوصاً في الجانب الاقتصادي... فلا يوجد أسوأ من الأزمة إلا عدم استيعاب دروسها.