وجهة نظر: الحزمة التحفيزية للبنوك المحلية... خطوة صحيحة لكن المشروعات الصغيرة والمتوسطة ما زالت تنتظر

نشر في 15-04-2026
آخر تحديث 14-04-2026 | 20:07
 إبراهيم الكندري

في الأوقات المضطربة، لا يكون أخطر ما يواجه الاقتصاد هو الصدمة نفسها، بل الطريقة التي تتصرَّف بها المؤسسات بعد الصدمة، فحين ترتفع المخاطر، وتتسع مساحة القلق، وتُصبح الصورة أقل وضوحاً، تميل القطاعات المالية بطبيعتها إلى الحذر، وقد يكون هذا الحذر مفهوماً من زاوية الاستقرار، لكنه قد يتحوَّل سريعاً إلى عبء على النشاط الاقتصادي إذا تُرك من دون توازن.

من هنا تأتي أهمية قرار بنك الكويت المركزي الأخير، والصادر الأسبوع الماضي، بشأن الحزمة التحفيزية للبنوك المحلية، فالقرار، في توقيته ومضمونه العام، يستحق الإشادة، لأنه يعكس تدخلاً مبكراً يهدف إلى منح البنوك مساحةً أكبر للحركة في ظل التطورات الراهنة، مع هدف مُعلن يتمثل في دعم النشاط الاقتصادي واستمرار التمويل والسيولة للقطاعات الإنتاجية. وقد شملت الحزمة خفض بعض معايير السيولة، ورفع بعض الحدود القصوى، وتخفيف جزء من متطلبات رأس المال، بما يمنح القطاع المصرفي مرونةً أكبر في هذه المرحلة.

ومن المهم الإشارة إلى أن «المركزي» أكد بوضوح أن القطاع المصرفي الكويتي يتمتع أصلاً بمؤشرات رقابية قوية، وأن نِسب السيولة وكفاية رأس المال تتجاوز المتطلبات الرقابية والمتوسطات العالمية بهوامش مريحة، وهذا يعني أن الحزمة لم تأتِ لإنقاذ قطاعٍ متعثر، بل لتوسيع هامش الحركة أمام قطاعٍ قوي، حتى لا يتحوَّل الحذر الوقائي إلى انكماش غير ضروري في الائتمان.

وهنا تكمن النقطة الإيجابية الأساسية في القرار، فهو رسالة تنظيمية واضحة. المطلوب من البنوك في هذه المرحلة ألا تنغلق على نفسها، بل تبقى قادرة على تمويل الاقتصاد بدل الاكتفاء بالدفاع عن مراكزها الداخلية.

المشكلة لا تبدأ من القرار بل من أثره الفعلي مع ذلك، فإن الإشادة بالقرار لا تعني الاكتفاء به، فالمشكلة في مثل هذه الحالات لا تكون في توسيع القدرة على الإقراض فقط، بل في الجهة التي ستستفيد من هذه القدرة، ذلك أن إعطاء البنوك مساحةً تنظيمية أكبر لا يعني تلقائياً أن هذه المساحة ستذهب إلى الفئات الأكثر حاجة للتمويل، ولا يعني بالضرورة أن الاقتصاد الحقيقي سيشعر بالأثر بنفس السرعة التي تشعر بها المؤشرات المصرفية.

تظهر هنا بشكلٍ واضح المسافة بين دعم البنوك ودعم الاقتصاد، فالبنوك حين تُمنح هامشاً أوسع، ستظل تتصرَّف في إطار منطقها الطبيعي، وستظل تبحث عن المخاطر الأقل، والعملاء الأقوى، والملفات الأوضح، والقطاعات التي يمكن تمويلها بكلفة تقييم ومتابعة أقل، وهذا ليس خطأً مصرفياً بحد ذاته، لكنه يعني أن الأثر التحفيزي العام قد يبقى محصوراً بالدوائر الأكثر متانة، فيما تظل الفئات الأضعف تمويلياً خارج نطاق الاستفادة الحقيقية.

حين ترتفع المخاطر وتتسع مساحة القلق وتُصبح الصورة أقل وضوحاً تميل القطاعات المالية بطبيعتها إلى الحذر

المشروعات الصغيرة والمتوسطة: الحاجة الأكبر والفرصة الأقل تقع المشروعات الصغيرة والمتوسطة في قلب المنطقة الأكثر حساسية في مثل هذه الظروف، فهي في العادة أول من يتأثر بتباطؤ السوق، وارتفاع التكاليف، وتشدد التدفقات النقدية، وهي كذلك الأقل قُدرةً على امتصاص فترات الانتظار الطويلة أو تحمُّل التشدد الائتماني. لذلك، فهي لا تحتاج في أوقات الاضطراب إلى خطابٍ عام عن مرونة القطاع المصرفي بقدر ما تحتاج إلى تمويلٍ فعلي يصل إليها بشروط يمكن احتمالها، وفي الوقت المناسب.

لكن القرار، رغم أهميته، جاء بصياغةٍ عامة تخص القطاع المصرفي ككل، من دون أن يتضمَّن نِسباً محددة أو توجيهاً مباشراً يخص المشروعات الصغيرة والمتوسطة على وجه الخصوص. صحيح أن البنك المركزي تحدَّث عن دعم القطاعات الاقتصادية الحيوية والقطاعات الإنتاجية، إلا أن هذا الطرح العام يترك مساحةً واسعة للتفسير والتطبيق، وهي المساحة نفسها التي قد تجعل أثر القرار على هذه المشروعات أقل من المأمول.

المشروعات الصغيرة والمتوسطة تقع في قلب المنطقة الأكثر حساسية في مثل هذه الظروف فهي في العادة أول من يتأثر بتباطؤ السوق وارتفاع التكاليف

ففي الأزمات، لا يتحرَّك التمويل دائماً باتجاه الأكثر حاجة، بل كثيراً ما يتجه إلى الأقل مخاطرة وتكلفة من منظور الجهة الممولة، وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي الالتفات إليها، فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة قد تكون الأكثر احتياجاً للسيولة، لكنها في الوقت ذاته تتطلب جهداً أكبر في التقييم، وتُثير قدراً أعلى من التردُّد لدى البنوك، خصوصاً في غياب نِسب مستهدفة، أو أدوات ضمان، أو حوافز رقابية تجعل التوسع في تمويلها خياراً أكثر جاذبية.

ومن هنا، يمكن القول إن الحزمة الحالية تمثل خطوة مهمة، لكنها لا تزال خطوة أولى لا خطوة مكتملة، فهي عالجت جانب القدرة على الإقراض، لكنها لم تُعالج بالوضوح نفسه جانب توجيه هذا الإقراض. لقد وسعت الهامش المتاح للبنوك، لكنها لم تحدد أولوية واضحة داخل هذا الهامش، وهذا قد يكون كافياً لدعم السيولة العامة، لكنه لا يكفي لضمان أن جزءاً معتبراً من هذه المرونة سيصل فعلاً إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهي الشريحة التي تحتاج اليوم إلى هذا الدعم أكثر من غيرها.

الخلاصة: القرار جيد... لكن المرحلة تحتاج خطوة ثانية

في النهاية، قرار بنك الكويت المركزي الأخير مهم، وعملي، ويعكس قراءة واعية للمشهد، وهو، بلا شك، أفضل من ترك البنوك تواجه التطورات الحالية بعقلية دفاعية صلبة قد تضر بالنشاط الاقتصادي أكثر مما تحميه، لكن نجاح القرار لن يُقاس فقط بحجم المرونة التي منحها للبنوك، بل أيضاً بمدى وصول أثر هذه المرونة إلى الاقتصاد الحقيقي.

وهنا بالذات تبقى الملاحظة الأساسية، ما دام القرار لم يضع مساراً أوضح للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، فإن جزءاً مهماً من الاقتصاد سيظل ينتظر، والحزمة التحفيزية لكي تُصبح أكثر اكتمالاً لا تحتاج إلى التراجع، بل إلى البناء عليها بخطوةٍ ثانية أكثر دقة، تجعل من دعم البنوك وسيلةً مباشرة لدعم مَنْ هم بأمسّ الحاجة إلى التمويل، لا مجرَّد توسيع عام لهوامش الإقراض.

* الشريك المدير دوتسلينك للاستشارات

back to top