حين تُحرَق المبادئ

نشر في 13-04-2026
آخر تحديث 12-04-2026 | 18:57
 حسن العيسى

يُعدّ مبدأ «المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم نهائي» حجر الزاوية في أي نظام قانوني عادل، فهو ليس مجرد عبارة إنشائية، بل قاعدة دستورية راسخة ومبدأ مستقر في أحكام قانون الجزاء. ولولا هذا المبدأ، لتعرّضت أبسط حقوق الإنسان للسحق، ولانتُهكت كرامته تحت وطأة الاتهام قبل ثبوته.

غير أن ما شهدته الصحافة المحلية في الكويت مؤخراً يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بهذه القاعدة الجوهرية، فقد بدت مانشيتات أمس متشابهة في مضمونها، متسابقة في الإثارة، ومنساقة خلف موجة عاطفية جارفة، غابت عنها روح التروي والحكمة، وحلّ محلها خطاب متشنّج لا ينسجم مع ما قرّره الدستور والقانون من ضمانات.

إن بيان وزارة الداخلية، الذي أعلن عن ضبط خلية متهمة بخرق قوانين أمن الدولة، لم يتضمّن إدانة صريحة للمتهمين، بل اقتصر على عرض وقائع أولية استندت إلى تحريات، أعقبها إحالة القضية إلى الجهات المختصة. وهنا تبدأ المرحلة الحقيقية للعدالة: حيث تتولى النيابة العامة التحقيق، بوصفها الجهة القانونية المخوّلة، لتقرر لاحقاً إما الإحالة إلى القضاء أو حفظ الأوراق، أما الحكم النهائي، فلا يصدر إلا عن المحاكم، وليس عبر عناوين الصحف أو منصات التواصل.

لكن ما حدث أن بعض وسائل الإعلام لم تلتزم بهذا المسار، وانجرفت خلف خطاب غوغائي قائم على الإثارة والمزايدة الوطنية، مستخدمة لغة تتجاوز حدود المهنية، وتُسهم في تشكيل رأي عام مُسبق، قد يضر بسير العدالة ويقوّض الثقة بمؤسساتها.

إن نشر مثل هذه الأخبار بهذه الطريقة لا يخدم مصلحة الوطن، بل يضر بها، فالوطن لا تُحمى مصالحه بالاندفاع أو التهويل، إنما بالاتزان، واحترام سيادة القانون، وترسيخ مبدأ دولة المؤسسات، كما أن الحفاظ على الوحدة الوطنية يتطلب خطاباً مسؤولًا، يبتعد عن التحريض أو التصنيف، ويؤكد أن الجميع - حكاماً ومحكومين - خاضعون للقانون وحده.

في نهاية المطاف، يبقى الاحتكام إلى القضاء المستقل، واحترام إجراءاته، هو الضمانة الحقيقية لتحقيق العدالة، وصون الحقوق، وبناء مستقبل أكثر استقراراً وإنصافاً.

back to top