مستشفى الضمان... النجاح يبدأ الآن... والمخاطر أيضاً (2- 2)

نشر في 13-04-2026
آخر تحديث 12-04-2026 | 18:43
 محمد الجارالله

 

إذا كان المرسوم الأخير قد نجح في فك القيد القانوني الذي عطَّل مشروع الضمان لسنوات، فإن التحدي الحقيقي يبدأ الآن. فالتجارب تؤكد أن إزالة العوائق، مهما كانت أهميتها، لا تمثل سوى الخطوة الأولى في مسارٍ طويل، فيما يبقى الاختبار الحقيقي في القدرة على تحويل القرار إلى نموذج تشغيلي ناجح ومستدام.

هذا التحوُّل الذي بدا في ظاهره إدارياً وقانونياً، يحمل في جوهره إعادة تشكيل لعلاقة الدولة بالقطاع الصحي، ولآليات التمويل، ولتوازن السوق بين العام والخاص. لذلك، فإن أي قراءة متأنية للمرحلة القادمة يجب أن تتجاوز الحماس الطبيعي للقرار، لتتوقف عند مجموعة من التساؤلات الجوهرية التي ستحدد مسار المشروع.

الملكية المركزة... وهل تبقى المرونة؟

أول هذه التساؤلات يتعلق بطبيعة الإدارة التي ستنشأ في ظل تركُّز الملكية لدى الهيئة العامة للاستثمار. فالتجارب تشير إلى أن الفرق بين النجاح والتعثر لا يكمن في هوية المالك، بل في قدرة المؤسسة على الحفاظ على استقلاليتها التشغيلية. وإذا لم يتم الفصل بوضوح بين الملكية والإدارة، فقد ينزلق المشروع تدريجياً نحو نمط إداري تقليدي، يفقد معه أهم ميزاته التي قام من أجلها، وهي المرونة وسرعة اتخاذ القرار.

الأداء دون ضغط السوق

وفي السياق ذاته، يبرز تحدٍّ آخر لا يقل أهمية، وهو غياب ضغط السوق الطبيعي الذي يدفع المؤسسات عادة إلى تحسين أدائها. فحين تتوزع الملكية بين مساهمين متعددين، أو عندما تكون الشركة خاضعة لتقييم مستمر من السوق، تتولَّد آليات تلقائية للمساءلة. أما في الحالة الحالية، فإن هذه الآليات يجب أن تُبنى داخلياً، عبر نُظم دقيقة لقياس الأداء، وشفافية في عرض النتائج، وربط واضح بين الإنجاز والمحاسبة.

الاكتتاب المؤجل... هل يصبح دائماً؟

ثم يأتي ملف الاكتتاب المؤجل، الذي يبدو في ظاهره إجراءً عملياً لتسريع الانطلاق، لكنه قد يتحوَّل إلى إشكالية إذا لم يُضبط بإطار زمني واضح. فالتجارب الحكومية تميل بطبيعتها إلى تأجيل ما يمكن تأجيله، وقد نجد أنفسنا بعد سنوات أمام وضعٍ لم يتغيَّر، حيث بقيت الملكية مركزة دون تحقق الهدف الأصلي، المتمثل في إشراك المجتمع وتعزيز الشفافية.

تضارب الأدوار... بين المالك والمنظم

ومن الزوايا الحساسة كذلك، مسألة تضارب الأدوار بين الدولة كمالك، وبين دورها كمنظم للقطاع الصحي. فوجود طرف يمتلك ويشغِّل، وفي الوقت ذاته يضع القواعد ويراقب الالتزام بها، يخلق بطبيعته منطقة رمادية تحتاج إلى قدرٍ عالٍ من الحوكمة لضمان العدالة. ولا يتعلق الأمر هنا فقط بحقوق القطاع الخاص، بل بكفاءة النظام ككل، لأن أي خلل في توازن السوق سينعكس في النهاية على جودة الخدمة.

العبء المالي... صدمة يجب امتصاصها

وفي خضم هذه التحوُّلات، يبرز عامل لا يمكن تجاهله، وهو الأثر المالي المباشر على السوق. فالقفزة المتوقعة في تكلفة التأمين الصحي على العمالة، من مستويات كانت تدور حول خمسين ديناراً سنوياً إلى ما قد يصل إلى مئة وخمسين ديناراً أو أكثر، تمثل عبئاً حقيقياً على أصحاب الأعمال، خصوصاً في القطاعات الصغيرة والمتوسطة. وهذه الزيادة، مهما كانت مبرراتها، قد تُحدث صدمة إذا طُبقت بشكلٍ مفاجئ.

ومن هنا، فإن التعامل مع هذا الجانب يتطلب قدراً من التدرج والحس الاقتصادي. فإمكانية مساهمة الدولة في تحمُّل جزء من هذا العبء خلال السنوات الأولى قد تشكل صمام أمان مهماً، يسمح بامتصاص الصدمة، ويمنح السوق فرصة للتكيف. كما أن توزيع الزيادة على مراحل زمنية محددة يحقق الهدف دون إرباك.

وفي الإطار ذاته، فإن فتح المجال أمام مستشفيات القطاع الخاص للدخول ضمن منظومة التأمين على الوافدين، كما هو معمول به في المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة، يمكن أن يشكل عاملاً إيجابياً في خلق بيئة تنافسية صحية. هذه المنافسة، إذا ما أُحسن تنظيمها، لا تنتقص من دور مستشفيات الضمان، بل تعزز كفاءة النظام ككل، وتوفر خيارات أوسع، بشرط أن تتم ضمن إطار واضح يحفظ توازن المنظومة، ويمنع الإخلال بحقوق أي طرف.

التسرع ونموذج التأمين... جوهر المخاطرة

ولا يمكن إغفال خطر التسرُّع في التشغيل، الذي قد يبدو مغرياً بعد سنوات من الانتظار. إلا أن الأنظمة الصحية بطبيعتها لا تحتمل البدايات المرتبكة، لأن أي خللٍ في مرحلة الانطلاق يترك أثراً طويل المدى. لذلك، فإن التدرج في التشغيل، واختبار النماذج على نطاقٍ محدود قبل التوسع، يمثل خياراً أكثر أماناً.

ويبقى التحدي الأعمق مرتبطاً بنموذج التأمين نفسه، الذي يشكل العمود الفقري للمشروع. فوضوح مصادر التمويل، وآليات الدفع، وطريقة التعاقد مع مقدمي الخدمة، كلها عناصر حاسمة. وأي غموض في هذا الجانب قد ينقل المشكلة من كونها قانونية، كما كانت في السابق، إلى أزمة مالية يصعب احتواؤها.

الفرصة التي لا تتكرر

وفي مواجهة هذه التحديات، لا يكفي الاكتفاء بالتفاؤل، بل لا بد من بناء منظومة متكاملة من الحوكمة، تقوم على الفصل بين الأدوار، والشفافية في الأداء، والعدالة في التنظيم، والتدرج في التنفيذ. هذه العناصر مجتمعة هي التي ستحول القرار من مجرَّد خطوةٍ جريئة إلى قِصة نجاح حقيقية.

وفي النهاية، يمكن القول إن الباب قد فُتح بالفعل، لكن ما سيدخل منه هو الذي سيحدد النتيجة. فإما أن يكون هذا المشروع نقطة تحوُّل في مسار النظام الصحي، أو أن يتحوَّل إلى تجربة أخرى تبدأ بزخمٍ كبير ثم تفقد اتجاهها.

والفارق، كما في كثيرٍ من التجارب، لا يكمن في القرار، بل في طريقة تنفيذه.

* وزير الصحة الأسبق

 

back to top