بين التهدئة والتصعيد: أين تقف مصالحنا؟

نشر في 13-04-2026
آخر تحديث 12-04-2026 | 18:30
 د. بلال عقل الصنديد

في ظل الهدوء الحذر الذي يسيطر على المنطقة، تبدو مفاوضات الولايات المتحدة وإيران وكأنها هدنة بين عاصفتين، لا نهاية للحرب. فالاتفاق على وقف إطلاق النار مدة أسبوعين ليس تسوية بقدر ما هو «تعليق للصراع»، يحمل في طياته بذور انفراج حذر أو انفجار خطر. 

الهدنة جاءت بعد تصعيدٍ غير مسبوق، وشملت تفاهماً مبدئياً على وقف الأعمال العسكرية، وفتحٍ جزئي لمضيق هرمز، مقابل بدء مفاوضات في إسلام آباد بوساطة باكستانية. غير أن هذه الهدنة وُصفت منذ اللحظة الأولى بأنها «هشَّة»، إذ لم تترافق مع اتفاقٍ واضح على الملفات الجوهرية: البرنامج النووي، والنفوذ الإقليمي، أو العقوبات. الأخطر أن الطرفين يتعاملان معها كاستراحةٍ تكتيكية: واشنطن لتفادي الانزلاق إلى حربٍ طويلةٍ ومُكلفة، وطهران لإعادة ترتيب أوراقها، وتعزيز شروطها التفاوضية، لا سيما عبر ربط الملفات ببعضها. فرغم إعلان وقف النار، لم يهدأ الخليج، إذ شهدت دُوله، ومنها الكويت، هجمات صاروخية ومسيَّرات خلال الهدنة نفسها، في مؤشرٍ واضح على أن إيران تستخدم «أدواتها» لفرض وقائع ميدانية. إلى جانب ذلك، بقي مضيق هرمز ورقة ابتزاز استراتيجية: فتح مشروط، ومرور محدود، وتهديد دائم بإعادة الإغلاق، أو فرض رسوم عبور. 

هذا السلوك يعكس جوهر المقاربة الإيرانية: التفاوض من موقع التحكُّم في الممرات الحيوية، لا من موقع الضعف. 

في المقابل، تبدو دول الخليج بموقع المتلقي للضغوط، بين حاجتها للاستقرار وحسابات التحالف مع واشنطن، مما يجعلها طرفاً غير مباشر في المفاوضات، لكنه الأكثر تأثراً بنتائجها. 

لبنان لم يكن بنداً تفصيلياً في المفاوضات، بل تحوَّل- على ما يُسرَّب- إلى شرطٍ تفاوضي. فإيران تُوحي- عبر تصريحات إعلامية- أن أي اتفاق يجب أن يشمل وقفاً لإطلاق النار في لبنان، معتبرةً أن استمرار الضربات الإسرائيلية يُفرغ التفاوض من مضمونه. لكن إسرائيل، التي تمثل ورقة الضغط الأميركية، ترفض إدخال لبنان في الهدنة، وتُواصل عملياتها العسكرية ضد حزب الله، بل أعلنت صراحةً أنه «لا وقف لإطلاق النار في لبنان»، الأمر الذي قد يتغيَّر بين لحظةٍ وأخرى في ضوء ما يدور بكواليس التحضير للمفاوضات المباشرة وغير المسبوقة بين لبنان وإسرائيل. 

هنا تكمن المفارقة الخطيرة: الهدنة قائمة بين المتحاربين، لكنها تبدو هشَّة في الخليج، ومنهارة على الأرض اللبنانية. 

المعطيات الحالية تشير إلى ثلاثة سيناريوهات: 

أولاً- تمديد الهدنة: وهو الأكثر ترجيحاً، مع استمرار التفاوض من دون حسم، بانتظار توازنات أوضح. 

ثانياً- انهيار تدريجي: نتيجة تعنُّت إيران بعدم فتح مضيق هرمز، واستمرار التصعيد في لبنان أو الخليج، مما يؤدي إلى عودة المواجهة المباشرة. 

ثالثاً- صفقة جزئية: تشمل أمن الملاحة، وتهدئة محدودة، من دون حلٍ جذري للصراع. 

لكن المؤكد أن المفاوضات لا تدور حول «إنهاء الحرب»، بل حول إدارة الصراع. فكل طرفٍ يسعى إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة، لا لإلغاء الاشتباك نفسه. 

نحن أمام مشهدٍ يُشبه هدنةً فوق بركان: النار خفتت، لكنها لم تنطفئ، والأطراف تتفاوض، لكنها تُواصل القتال بوسائل أخرى. 

أما لبنان، فيبقى- كعادته- ساحة الرسائل، لا طاولة القرار. والخليج، خط تماس اقتصادي، تُقاس فيه نتائج السياسة بأسعار النفط، لا بحجم الخسائر أو عدد الضحايا.

* كاتب ومستشار قانوني

back to top