لبنان... يا جرحنا ووجعنا *

نشر في 12-04-2026 | 21:52
آخر تحديث 12-04-2026 | 18:27
 خولة مطر

بعد ليلةٍ عاصفةٍ بالقصف، استيقظ كثيرون في الخليج على خبر اتفاق وقف إطلاق النار، فتسلَّلت فرحةٌ حذرة بين تثاؤب وآخر. تساءلوا، كما تساءلنا: هل هو هدوءٌ حقيقيٌ، أم مجرَّد استراحة بين قذيفتين؟

لم تدم تلك الفرحة طويلاً. فسُرعان ما عادت الأخبار من هناك، من وطنٍ أقرب إلى القلب، من لبنان... ذاك المكان الذي لم يكن مجرَّد بلد، بل تجربة كاملة في معنى الحُرية. لبنان الذي عرفناه مساحةً مفتوحةً للرأي، حيث يمكن للإنسان أن يقول ما يُريد من دون أن يخشى ظلاً يُراقبه أو تقريراً يُكتب عنه. 

هناك، في مقاهي بيروت، تعلَّمنا أن الاختلاف ليس جريمة، وأن النقاش ليس تهديداً، وأن الكلمة يمكن أن تكون حياة، لا تهمة. تتابع الأخبار بخوفٍ لا يهدأ، فلا وقت للنوم، وكأن وطن العرب كلهم يُذبح- بل يُباد- على مرأى العالم. 

امتد القصف بشكلٍ لم نشهده منذ ما قبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، حين جلس ذلك الضابط الإسرائيلي يحتسي فنجان قهوة في مقهى الويمبي الشهير، في مشهدٍ اختصر، آنذاك، معنى الاجتياح والاستباحة والمشروع الصهيوني الذي صيغ قبل 1948 بكثير، وبقي ليخلق كياناً احترف الحروب والإبادة للفلسطينيين واللبنانيين وكل مَنْ يقاوم مشروعه الكبير ذاك.

اليوم، تعود الصور ذاتها، لكن بوجعٍ مضاعف. الشاشة مقسومة بين مناطق تتلقَّى القصف تباعاً: من الخيام إلى مرجعيون وبنت جبيل والنبطية، مروراً بصور وصيدا، وصولاً إلى بيروت- ليس ضاحيتها فحسب، بل كل أحيائها- وكأن الجغرافيا كلها باتت هدفاً مشروعاً. حتى جبال لبنان الشامخة، التي طالما وقفت بكبريائها شاهدةً على التاريخ، لم تسلم من هذا الامتداد الوحشي. 

لبنان لم يكن فقط مساحة جغرافية، بل كان درساً عربياً نادراً في الكرامة. علَّم أجيالاً كاملة كيف يكون الفرح، وكيف تُعاش الحياة خارج القوالب الجاهزة، وكيف يمكن للإنسان أن يختار طريقه من دون أن يُفرض عليه. كان استثناءً في عالمٍ اعتاد على الصمت، جزيرة ضوءٍ في بحرٍ من الرقابة والخوف. 

ربما وجعي الشخصي أنني كُنت هناك، مع كل حرب. منذ الحرب الأهلية، حين كُنت في أواخر مراهقتي- أو لعلها بداياتها- أرسم لنفسي طريقاً في الجامعة الأمريكية، قبل أن تنتزعه الحرب مني. ثم عُدت في الثمانينيات كصحافية، أُغطي حرب المخيمات، وبقيت لسنوات أعيش الوجع اللبناني المتكرِّر: من قانا، إلى ما تلاها من حروب، وصولاً إلى 2006، حين وجدت نفسي أعود إلى ما أعرفه- متابعة الحرب، ولكن هذه المرَّة عبر وجع الناس وفرحهم معاً. 

حاولت، في سلسلة مقالات، أن أرسم كيف تعلَّم اللبناني، حتى أصبح هو المثال، في فن الحياة وسط أكوام الدمار والحطام والموت. 

أتذكَّر بإحدى مقالاتي في 2006 كتبت عن اللبنانيين: «نحن بخير، طمئنونا عنكم»، وكُنت فعلاً أعني أنهم بخير، رغم الموت، لأنهم يقاومونه، ولأنهم يعرفون، بل يدمنون عشق أرضهم، وكيف يقدِّم الفرد حياته ثمناً لوطنه. هم مَنْ يعلموننا معنى أن تحب وطنك، حتى لو اضطرتك الظروف لتركه، بل ربما معنى الوطن في وجدان الشعوب.

واليوم، وللمرة بعد المرة، يقف لبنان، الصغير بجغرافيته، وحيداً يتحدَّى العالم كله. ألم نرَ نظرة عيون ذاك الطفل وهو يُردِّد بعد تدمير بيته وقتل أقاربه وتهجيره مرة ومرات: «كله فداء للوطن والمقاومة». 

مرة أخرى يُترك لبنان وحيداً يُواجه وحشية الكون كله، وبعضه من داخله، وليس من الخارج فقط! يُراقبه كثير من العرب بصمت، أو بتمتمات لكلمات غير مفهومة. 

لبنان الذي كان وسيبقى مرآتنا، ونافذتنا، وكتابنا، وجريدتنا، وثقافتنا، وكل فرحنا، هو الآن يخضع لمحاولةٍ أخيرة لترويضه، أو هو ترويض شعبه. 

هم في لبنان بخير... يبقى السؤال: ماذا عنا؟ عن صمتنا، وعجزنا، وخوفنا، وخنوعنا، وكل أو بعض خياناتنا؟ ماذا عنها؟

* يُنَشر بالتزامن مع الشروق المصرية

back to top