على الطريق...: قراءة في بيان «الخارجية» العراقية
فُوجئتُ، كما فُوجئ معظم مَنْ قرأ بيان وزارة الخارجية العراقية الأخير بشأن الاعتداء على القنصلية العامة لدولة الكويت في البصرة، والذي جاء مخيباً لتوقعات الحد الأدنى من الوضوح الدبلوماسي والاتساق السياسي.
فبينما يُفترض في مثل هذه البيانات أن تكون حاسمةً ومباشرةً، بدا النص مُرتبكاً مُحمَّلاً بإشارات لا تخدم جوهر الحدث، ولا تُعزِّز مصداقية الموقف الرسمي، اللهم إلا إذا كان هناك موقفٌ آخر!
أول ما يلفت الانتباه، هو غياب الاعتذار الصريح، وهو عنصر أساسي في الأعراف الدبلوماسية عندما تتعرَّض بعثة لدولةٍ شقيقة لاعتداء داخل أراضي دولة ذات سيادة. والاكتفاء بعبارات الإدانة والاستنكار لا يكفي، خصوصاً عندما يتعلَّق الأمر بالأعراف الدبلوماسية وسيادة الدولة، والتي يجب أن تكون محمية بموجب القانون الدولي، إذ كان من المتوقع أن تُبادر الحكومة العراقية إلى تقديم اعتذارٍ واضحٍ يعكس مسؤوليتها السيادية، ويؤكد حرصها على علاقاتها مع الكويت.
المُضحك هو محاولة ربط حادثة اقتحام القنصلية بسردية هجوم صاروخي استهدف مدنيين، والإشارة إلى أن مصدره إحدى دول الجوار، وكأنهم يلمزون للكويت. هذا الربط بدا خارج السياق، بل يفتح الباب أمام تأويلات سياسية غير دقيقة، خصوصاً مع تداول روايات إعلامية تُشير إلى الكويت نفسها، وهو ما نفاه المصدر الإخباري لاحقاً، وإدخال مثل هذه الإشارات في بيانٍ يُشتت الانتباه، ويُضعف الرسالة الأساسية.
السؤال الجوهري هنا: ما العلاقة بين اقتحام القنصلية كفعلٍ داخليٍ يستدعي تحقيقاً ومُحاسبة، وبين هجوم صاروخي عابر للحدود؟
الخلط بين ملفين مختلفين يعكس إما ارتباكاً في صياغة الموقف، أو محاولةً لتخفيف المسؤولية، عبر توسيع إطار الحدث، وهو نهج لا يخدم الشفافية، ولا يعزز الثقة.
كان الأجدر بالبيان أن يلتزم بالحد الأدنى من الوضوح والبساطة، شجب صريح للاعتداء، واستنكار لا لبس فيه، واعتذار رسمي واضح، والتعهُّد بفتح تحقيقٍ جاد، ومُحاسبة المسؤولين. هذه العناصر ليست ترفاً، بل ضرورة دبلوماسية تعكس احترام الدولة لالتزاماتها الدولية.
في المحصلة، البيان لم يفشل فقط في تهدئة الموقف، بل ساهم في تعقيده، عبر إدخال عناصر لا تمت بصلة مباشرة للحادثة. وفي لحظةٍ تتطلَّب وضوحاً وحزماً جاء الخطاب الرسمي متردداً ومفتقراً إلى البوصلة التي توجهه نحو حماية سُمعة الدولة وتعزيز الثقة فيها، وهذا ما لم نجده.