الحرس الثوري والبيوتات السبع

نشر في 12-04-2026
آخر تحديث 11-04-2026 | 18:15
 د. محمد خالد الجميعان

 

حين أرادت الدولة الساسانية (الفرس) تثبيت حُكمها، اعترفت بـ «البيوتات السبع»- وهي أسر أرستقراطية كآل سورن وكارن ومهران- ومنحتها صلاحيات شبه مستقلة، مقابل الولاء الشكلي للشاهنشاه. 

كان تعاقداً براغماتياً واضح الشروط: اللامركزية في الإدارة، مقابل الاستقرار في الحُكم. لكن الفارق الجوهري بين النموذج الساساني والنموذج الإيراني المعاصر هو أن الأول كان نظام حُكم، في حين أن الثاني بات نظام إفلات من المُحاسبة. 

والتاريخ يحفظ لنا نموذجاً بالغ الدلالة: حين خرج بهرام جوبين على الشاهنشاه هرمز الرابع عام 589م، لم يفعل ذلك بوصفه ثائراً، بل بوصفه حامياً للدولة. فبعد انتصاراته على الأتراك والبيزنطيين، رأى في نفسه أنه أحق بالسُّلطة من الملك، فأطاح به، وجلس على العرش. لم تدم سُلطته سوى عام، لكن الحادثة كشفت عن حقيقة راسخة: حين تكبر المؤسسة العسكرية حتى تتجاوز الدولة، تتحوَّل من أداة حماية إلى منافسٍ على السُّلطة. وهذا بالضبط ما آل إليه الحرس الثوري في إيران المعاصرة. 

منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، صُمِّمت بنيتها المؤسسية- من مجمع تشخيص المصلحة إلى مجلس صون الدستور إلى مكتب المرشد- لا لضمان الحوكمة الرشيدة، بل لضمان بقاء النظام، بصرف النظر عن إرادة الشعب. وقد تحوَّل الحرس الثوري إلى إمبراطورية اقتصادية وأمنية تنشط خارج الرقابة البرلمانية، حتى صنَّفه الاتحاد الأوروبي «منظمةً إرهابية» في يناير 2026، إثر قمعه الموثَّق لاحتجاجات الداخل. 

ولعل دول الخليج العربي الأكثر إدراكاً لهذه الحقيقة المُرَّة. فعلى مدى عقود، جرَّبت التفاوض مع طهران، فوجدت نفسها أمام ظاهرة متكررة: اتفاق يُبرَم مع جهة، فتنقضه جهة أخرى، وتهدئة تُعلنها الحكومة يُفرغها الحرس عبر وكلائه في العراق ولبنان واليمن. وهو ما يعني أن أي تطبيع خليجي- إيراني لن يُترجَم إلى استقرار حقيقي ما لم تُحسم معادلة: مَن يتحدث باسم إيران فعلاً؟ 

ثمة درس تاريخي يستحق الاستحضار: البيوتات الساسانية السبع حين تغلَّبت مصالحها على ولائها للدولة، أسهمت في تفتيت الإمبراطورية أمام الفتح الإسلامي. 

النظام الذي يُقدّم تشتت مراكز قواه باعتباره رصيداً، يغفل أن هذا التشتت ذاته كان في التاريخ عامل انهيار، لا عامل صمود. 

قراءة إيران اليوم تستلزم النظر بعيون المؤرخ إلى نظام يُعيد إنتاج أزمته باستمرار، لأن بقاءه مرهون بالأزمة، لا بحلّها.

* عضو هيئة تدريس بقسم التاريخ- جامعة الكويت

 

back to top