أمنُ الدبلوماسية في ميزان الواقع

نشر في 12-04-2026
آخر تحديث 11-04-2026 | 18:11
 د. نور محمد الحبشي

 

حماية البعثات الدبلوماسية ليست التزاماً قانونياً فحسب، بل هي معيارٌ لهيبة الدولة، ودليلٌ على التزامها بأعراف المجتمع الدولي. وفي عالم تُبنى العلاقات على الثقة والاحترام المتبادل، تظل سلامة البعثات الدبلوماسية اختباراً حقيقياً لمدى قُدرة الدولة على صون تعهداتها الدولية. ومن هنا تأتي حادثة اقتحام القنصلية الكويتية بالبصرة في السابع من أبريل 2026م لتسلِّط الضوء على أهمية مضاعفة الجهود لحماية المنشآت الدبلوماسية، بما يعزز الاستقرار، ويصون قواعد العمل الدولي. 

لا يمكن النظر إلى حادثة اقتحام القنصلية الكويتية في البصرة بوصفها واقعة معزولة، بل هي حدث يستدعي قراءة متأنية في سياق مسؤولية الدول عن حماية البعثات الدبلوماسية، وفقاً لما تقرره القوانين والأعراف الدولية.

فالمنشآت الدبلوماسية لا تمثل مجرَّد مقارّ عمل، بل تجسِّد سيادة دولها، وتُعدُّ حمايتها التزاماً قانونياً وأخلاقياً يقع على عاتق الدولة المضيفة، بما يعزز الثقة المتبادلة، ويصون استقرار العلاقات بين الدول.

وفي هذا الإطار، فإن ما جرى يُظهر أهمية مضاعفة الجهود لتعزيز المنظومة الأمنية، وضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث، بما يعكس حرص العراق على الوفاء بالتزاماته الدولية، وترسيخ صورته كدولة تحترم قواعد العمل الدبلوماسي وتحرص على أمن البعثات الأجنبية على أراضيها.

ومن جانب آخر، فإن العلاقات بين دولة الكويت وجمهورية العراق ترتكز على تاريخ من التعاون والسعي الذي بذلته الكويت مراراً وتكراراً في الماضي نحو الاستقرار الإقليمي، رغم ما في التاريخ من آلامٍ لا يمكن نسيانها، فالأمم الراقية هي التي تجعل من تاريخها نبراساً يهدي خطاها، وهو ما يجعل من الضروري التعامل مع هذه الحادثة بروح المسؤولية، وبما يعزز مسار العلاقات الثنائية، ويحصِّنها من أي تداعيات عارضة.

إن معالجة مثل هذه الوقائع لا تقف عند حدود الإدانة، بل تمتد إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان عدم تكرارها، من خلال المحاسبة، وتعزيز التنسيق، وتطوير آليات الحماية، بما ينسجم مع الالتزامات الدولية، ويعكس جدية الدولة في صون أمن البعثات الدبلوماسية.

وقُصارى القول: تظل مثل هذه الأحداث اختباراً لقدرة الدول على تحويل التحديات إلى فُرصٍ لتعزيز مؤسساتها، وترسيخ سيادة القانون، وتأكيد التزامها بالمبادئ التي تحكم العلاقات الدولية، وفي مقدمتها احترام السيادة، وحماية البعثات، وصون الاستقرار.

وفي نهاية المطاف: إننا لا نريد من العراق إلا أن يعود لحاضنته العربية، وأن يكون آمناً، بلداً موحَّداً مستقراً، وفاعلاً في إقليمه وفي المنظومة العربية، بخلاف ما نراه الآن على أرض الواقع، عراقاً مسلوبَ القرار يعيش في أروقةٍ ضيقةٍ مظلمة، مرتعاً ومسرحاً لعمليات إرهابية تنفذ أجندات خارجية تضرُّ بمصالحه وعلاقاته.

 

back to top