الضمان الصحي... قرار جريء أنهى سنوات الشلل (1 - 2)
في لحظات التحول الكبرى، لا تقاس قوة القرار بحجمه فقط، بل بقدرته على إزالة التعقيد المتراكم عبر السنوات. والمرسوم الأخير الخاص بشركة مستشفيات الضمان الصحي يمثل نموذجاً واضحاً لهذا النوع من القرارات، قرار يتسم بالحزم، ويعكس فهماً عميقاً لطبيعة المشكلة، والأهم أنه يعيد توجيه المسار بعد سنوات من التعثر.
وما يزيد من أهمية هذا القرار أنه صدر في توقيت إقليمي شديد الحساسية، تتداخل فيه التحديات الأمنية مع الضغوط الاقتصادية. ومع ذلك، لم تتحوَّل هذه الظروف إلى ذريعة للتأجيل أو التردد، بل جاءت الاستجابة على العكس تماماً: قرار حاسم يمضي بالمشروع إلى الأمام. وهذا يستحق الإشادة، سواء لنهج الإدارة الرصين والهادئ الذي اتبعته الهيئة العامة للاستثمار في إدارة هذا الملف الصحي المعقد، أو لقرارٍ حكوميٍ واعٍ لم يجعل من الظروف الإقليمية عائقاً أمام التخطيط لمصلحة البلد في ملف ظل راكداً لسنوات طويلة.
فالواقع أن مشروع الضمان لم يكن ينقصه التمويل، ولا البنية التحتية، ولا حتى القناعة السياسية بأهميته، بل كان عالقاً في حلقة قانونية معقدة حالت دون انطلاقه الفعلي، وبقي لسنوات مثالاً لمشروع استراتيجي مكتمل العناصر، لكنه غير قادر على الحركة. وهنا جاءت أهمية المرسوم، الذي لم يضف مشروعاً جديداً، بل أزال القيد عن مشروع قائم، وهذه في كثير من الأحيان أصعب وأجرأ.
إن نقل ملكية نسبة كبيرة من الأسهم إلى جهة سيادية لم يكن مجرد تعديل شكلي، بل هو إعادة صياغة لهيكل القرار داخل الشركة. فبدلاً من انتظار اكتتابٍ عام لم يتم منذ أكثر من عقد، أصبح بالإمكان اتخاذ القرار بشكلٍ مباشر، من دون تعطيلٍ أو ترددٍ أو تعقيدات إجرائية.
وهذا التحول يحمل في طياته رسالة مهمة: أن الدولة باتت مستعدة لاتخاذ قرارات حاسمة عندما يتعلق الأمر بمشاريع استراتيجية تمس حياة الناس اليومية، وأن مرحلة الانتظار المفتوح قد انتهت، لتحل محلها مرحلة التنفيذ.
تسريع التشغيل... من الانتظار إلى الفعل
الأثر الأكثر وضوحاً لهذا المرسوم يتمثل في الانتقال من حالة «الجمود القانوني» إلى «الحركة التشغيلية». فالمشكلة لم تكن في بناء المستشفيات أو تجهيزها، بل في القدرة على تشغيلها ضمن إطارٍ قانوني مستقر. ومع إزالة هذا القيد، يصبح الطريق ممهداً لبدء التشغيل الفعلي، وهو ما يعني تقصير سنوات من التأخير في أشهر قليلة إذا ما أُدير الملف بكفاءة.
ومن زاوية إدارية، فإن توحيد القرار تحت مظلة جهة واحدة يسهم في تسريع الإجراءات بشكلٍ كبير. فالقرارات المتعلقة بالتوظيف، والتعاقد مع شركات التشغيل، وتحديد النماذج المالية، لم تعد رهينة توازنات معقدة أو أطراف متعددة، بل يمكن حسمها ضمن إطارٍ واضحٍ ومباشر.
وهذا لا يعني إلغاء الحوكمة، بل على العكس، يتيح فرصة لبناء حوكمة أكثر وضوحاً، لأن تعدد الأطراف غير الفاعلة كان في السابق أحد أسباب الغموض، لا أحد أدوات الرقابة.
الضمان... الفكرة التي تنتظر التنفيذ
أهمية هذا القرار لا تتوقف عند حدود شركة واحدة، بل تمتد إلى جوهر فكرة الضمان الصحي نفسها. فهذه الفكرة، التي طرحت منذ أكثر من عشرين عاماً، تقوم على مبدأ بسيط، لكنه عميق الأثر: فصل تقديم الخدمة الصحية عن تمويلها، وتخفيف الضغط عن القطاع الحكومي، عبر إنشاء منظومة موازية تستوعب شريحة واسعة من السكان، لا سيما الوافدين.
ومن دون تشغيل فعلي لمستشفيات الضمان، تبقى هذه الفكرة نظرية. أما اليوم، ومع إزالة العائق القانوني، فإننا نقترب لأول مرة من تحويلها إلى واقعٍ ملموس.
تشغيل الضمان يعني عملياً إعادة توزيع الأحمال داخل النظام الصحي. فهو يخفف الضغط عن المستشفيات الحكومية، ويمنحها فرصة للتركيز على المواطنين، ويرفع في الوقت ذاته من كفاءة الخدمة عبر إدخال نماذج تشغيل أكثر مرونة، كما أنه يفتح المجال لإعادة النظر في دور وزارة الصحة، من مزودٍ مباشرٍ للخدمة إلى جهة تنظيمية تُشرف وتُراقب وتقيس الأداء.
وهذا التحول، إذا ما تم بشكلٍ صحيح، فإنه يمكن أن يشكل بداية لإصلاحٍ أوسع يتجاوز الضمان نفسه، ليشمل بنية النظام الصحي بأكمله.
قرار جريء... لكنه بداية طريق
ومع كل ما يحمله هذا المرسوم من إيجابيات واضحة، فإن أهم ما يجب إدراكه هو أنه يمثل بداية الطريق، وليس نهايته. فالقرارات القانونية يمكن أن تزيل العوائق، لكنها لا تضمن النجاح التشغيلي. والانتقال من النص إلى التطبيق هو المرحلة الأكثر حساسية.
لقد نجح القرار في فك «الاختناق القانوني»، لكن التحدي الآن ينتقل إلى كيفية إدارة هذه المرحلة الجديدة: كيف سيتم تشغيل المستشفيات؟ ما هو نموذج التأمين المعتمد؟ كيف سيتم الربط مع القطاع الحكومي والخاص؟ وما آليات الرقابة والقياس؟
هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن القرار نفسه، بل قد تكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل. فنجاح الضمان لن يُقاس بصدور المرسوم، بل بقدرته على تقديم خدمةٍ صحية فعالة، مستدامة، وعادلة.
بين التفاؤل والحذر
من الطبيعي أن يستقبل هذا القرار بقدرٍ كبيرٍ من التفاؤل، فهو يفتح باباً ظل مغلقاً لسنوات، لكن في الوقت نفسه، فإن التجارب السابقة تعلمنا أن القرارات الكبيرة تحتاج إلى إدارةٍ دقيقة، حتى لا تتحول من فرصةٍ إلى تحد جديد.
فالتسريع في التنفيذ يجب ألا يكون على حساب الجودة، والمرونة في القرار يجب ألا تتحول إلى غيابٍ للرقابة، والاندفاع نحو التشغيل يجب أن يكون مدروساً، لا متعجلاً.
* وزير الصحة الأسبق