بين النور والرماد: حين يصبح الحياد خيانة صامتة

نشر في 10-04-2026
آخر تحديث 09-04-2026 | 18:50
 نجد الحوراني

 

في عالمٍ يضجُّ بالأصوات المتعارضة، يبدو الحياد خياراً آمناً للوهلة الأولى. غير أن هذا الحياد ليس دائماً ما يبدو عليه. فثمة خيط رفيع يفصل بين التعقُّل النبيل، وبين التواري خلف منطقة رمادية تُخفي ضعفاً أو مصلحة.

ينبغي ألا نخلط بين النور والرماد، فالرماديون ليسوا بالضرورة حُكماء، بل قد يكونون أولئك الذين يعرفون الحقيقة، لكنهم يختارون الصمت حين يُصبح للكلمة ثمن. يتخذون من «الحياد» ذريعة، يلوذون بها هرباً من مواجهةٍ أخلاقية، أو حفاظاً على مصالحهم الخاصة. في مثل هذه اللحظات، لا يكون الحياد موقفاً، بل انسحاباً مموَّهاً.

وفي قضايا الوطن، تحديداً، تتكشَّف الحقيقة أكثر وضوحاً: في الوطن... حتى الحياد خيانة. فلا حياد في الوطن،

إمّا انحيازٌ للعدل، أو انزلاقٌ- ولو بالصمت- في صف نقيضه. فالوطن ليس ساحةً للتجرُّد البارد، بل مساحة امتحانٍ للقيم، حيث يُصبح الصمت موقفاً، والتردُّد اختياراً، والرمادية شكلاً من أشكال التواطؤ غير المُعلن. 

في المقابل، يظل الحياد الحقيقي حالةً نادرة من الاتزان، هو وقفة عقلانية تتأنَّى قبل الحكم، وتسعى إلى حفظ ميزان العدالة من دون أن تنحاز إلى هوى أو منفعة. إنه موقف يتطلَّب شجاعةً لا تقل عن شجاعة الجهر بالحقيقة، لأنه يقوم على الوعي، لا على الخوف.

ولعل المعنى الأعمق لهذا الموقف يتجلَّى في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾. فالإحياء هنا لا يقتصر على إنقاذ حياةٍ جسدية، بل يمتد ليشمل كل فعلٍ يُعيد للإنسان إنسانيته. مَنْ يصدح بالحق حين يكون مكلفاً، يُحيي في الناس ضميرهم. ومَنْ يتقن عمله، مهما بدا بسيطاً، يرسِّخ قيمة الإخلاص في عالمٍ يستهين بالتفاصيل. ومَنْ يختار الصِّدق، رغم كُلفته الباهظة، يُعيد تعريف الشجاعة بمعناها الحقيقي.

بل إن الإحياء قد يكون أكثر خفاءً وأشد أثراً، في محبةٍ تُمنح من دون انتظار، أو في علمٍ يُنقل بإخلاص لطفلٍ أو شاب، أو حتى في ضميرٍ حيّ لا يحتمل الأكاذيب الصغيرة، لأنها في جوهرها تشوِّه الحقيقة. ومن أعظم ما نُحييه... الوطنُ فينا، والتماسُك بيننا.

إن العالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الرماديين، بل إلى أولئك الذين يُدركون الفرق بين التوازن والتواطؤ، بين التعقُّل والخوف، بين الحياد الذي يحفظ العدالة، وذلك الذي يدفنها.

ففي كل مرة يُختار فيها الحق، ولو بصوتٍ خافت، يُبعث في هذا العالم شيءٌ كان على وشك أن يموت.

 

back to top