تقرير اقتصادي: وقف مؤقت للحرب... لكن صدمة الإمدادات مستمرة
• الكويت أمام تحديات متطلبات الاستجابة اللوجستية... بسرعة ومرونة
• الحكومة أسست «الكويتية للتخزين» لتحقيق أغراض ضرورية... ولم تشغلها
• يمكن الاستعانة بخدمات الشركات اللوجستية الخاصة مع ضمان حقوق الدولة
مع أن الحرب الإقليمية في منطقة الخليج العربي قد توقفت مؤقتاً بعد إعلان الولايات المتحدة وإيران الموافقة على الدخول في هدنة لمدة أسبوعين تجري خلالها مفاوضات متعددة النقاط في باكستان، لكن من المبكر الحديث عن انتهاء الحرب تماماً، ناهيك عن تداعياتها الاقتصادية التي بالتأكيد ستمتد فترة أطول من الحرب نفسها.
فمع التأكيد على ضبابية المشهد في الإقليم وصعوبة بناء التنبؤات خصوصاً خلال الفترة القصيرة المقبلة فإنه لا يمكن تجاوز «أزمات النوايا والمصالح» بين طرفي الحرب مما يجعل اتفاق الهدنة هشَّاً بدرجة كبيرة أو بتأجيج الطرف الثالث «الكيان الصهيوني» لكن ما هو أكثر يقيناً أن التداعيات الاقتصادية للحرب ستكون أطول أمداً حتى لو نجحت المفاوضات في وقف الحرب نهائياً.
فالمخاوف اليوم في الاقتصاد العالمي من حدوث صدمة إمدادات عنيفة تؤثر على مجمل الأنشطة التجارية المرتبطة بالنفط الخام ومنتجاته المكررة من مواد أولية وأسمدة وتكرير، التي هي أساس الصناعات الغذائية والدوائية في العالم، وصولاً إلى تنامي التحذيرات من آثار «صعبة» تؤثر سلباً على نمو الاقتصاد العالمي ورفع التضخم.
ما يعزز هذه الفرضية، أي مخاوف الصدمة في نطاق الإمدادات، هو الوضع الضبابي غير المحسوم تجاه مضيق هرمز، الذي قد يعطي إيران أفضلية في إدارته أو التحكم فيه، بعد أن كان قبل الحرب ممراً مائياً مفتوحاً إلى جانب تنامي مخاطر السلامة في منشآت النفط والطاقة الخليجية والتي تعرضت إلى اعتداءات إيرانية آثمة وتوقف عن التشغيل قد يجعل مدة إعادة الإنتاج إلى وضعه الطبيعي قبل الحرب بما بين 3 إلى 4 أشهر كما أعلنت الكويت أو 3 إلى 5 سنوات كما بينت قطر.
اضطرابات خطيرة
فخلال الأيام القليلة الماضية، برزت مجموعة تصريحات وبيانات تشير إلى اضطرابات خطيرة في سلاسل الإمدادات العالمية حتى لو توقفت الحرب الإقليمية في منطقة الخليج العربي، إذ عبَّرت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا عن مخاوف الحرب على الاقتصاد العالمي بالقول إنه «حتى لو توقفت الحرب اليوم، فسيكون لها أثر سلبي طويل الأمد على بقية العالم» فيما حذر الرئيس التنفيذي لبنك (جيه.بي مورغان) جيمي ديمون من أن الحرب في إيران يمكن أن تتسبب بصدمات لأسعار النفط والسلع الأولية، مما قد يؤدي إلى استمرار ارتفاع التضخم ودفع أسعار الفائدة إلى مستويات أعلى.
وقالت مديرة سلاسل الإمداد في البرنامج التابع للأمم المتحدة كورين فلايشر: «إنه الاضطراب الأكبر الذي نشهده منذ (كوفيد) وبدء الحرب في أوكرانيا»، فيما اعتبر رئيس البنك الدولي أجاي بانغا، أن الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها.
كما حذر الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) من أن إعادة تزويد أسواق الطيران بوقود الطائرات قد تستغرق عدة أشهر، حتى في حال إعادة فتح مضيق هرمز بسبب الاضطرابات التي لحقت بقدرات التكرير في منطقة الخليج.معظم التصريحات والبيانات العالمية تشير إلى اضطرابات خطيرة في سلاسل الإمدادات حتى مع توقف الحرب الإقليمية
اتفاق نادر
وفي اتفاق نادر بين منتجي النفط ومستهلكيه أصدرت مجموعة «أوبك بلس» بياناً هذا الأسبوع جاء فيه أن «الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة الخليجية مكلف وأن إصلاحها سيستغرق وقتاً طويلاً، مما يؤثر على الإمدادات»، كذلك عبر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول من مخاوف حدوث «أبريل أسود» يشكل صدمة لأسعار النفط والغاز المواد الغذائية ويسارع معدلات التضخم.
أرقام ومواد
على صعيد الأرقام، نجد أن أسعار المواد الغذائية طبقاً لبيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» ارتفعت خلال شهر الحرب الأول، أي مارس الماضي، بواقع 2.4% كأعلى نمو شهري منذ اشتعال الحرب الروسية - الأوكرانية، مدعوماً بصعود المواد الأساسية كالحبوب والزيوت والسكر واللحوم، كما نمت أسعار المواد الأولية اللازمة لصناعة الأدوية، كالمواد البتروكيماوية إلى 50 في المئة.
كل ما سبق مع البيانات المتلاحقة منذ يوم الحرب الأول، التي تشير إلى حدوث ارتفاعات جوهرية في الشحن والتأمين والوقود مقارنة بفترة ما قبل الحرب تبين أن العالم والمنطقة الخليجية تحديداً على موعد مع «صدمة إمدادات لوجستية» حتى مع توقف الحرب.
ماذا عن الكويت؟
ما يهمنا في الكويت، التي تعتمد على صادرات النفط بـ 90 في المئة من ميزانيتها، التي تمر كاملة عبر مضيق هرمز ويشكل النقل البحري ما لا يقل عن 70 في المئة من وارداتها، هو مدى الاستجابة اللوجستية لتحدي ومصاعب الإمدادات.
فعلى صعيد بيع خام النفط أو منتجاته البترولية، فلا خيار متاحاً على المديين القصير أو المتوسط سوى إعادة فتح مضيق هرمز وضمان سلامة العمليات البحرية في الخليج، مع أفضلية نسبية نظراً إلى الآثار المحدودة - حتى الآن - للاعتداءات الإيرانية على منشآت النفط والمصافي الكويتية، بالتوازي مع تقييم مؤسسة البترول لعملية إعادة الإنتاج بالطاقة التصديرية الاعتيادية خلال 3 إلى 4 أشهر من توقف الحرب... مع توقّع سعر نفط مرتفع نسبياً وفقاً لدرجة المخاطر في المنطق أو حجم الإنتاج العالمي أو حتى رغبة المستهلكين في إعادة ملء خزانات الاحتياطيات الاستراتيجية.
من المهم تخفيف البيروقراطية في عمليات الشراء مع عدم الإخلال بكفاءة الجهات الرقابية
«الكويتية للتخزين»
في الجانب المقابل، هناك امتحان المرونة في التعاطي مع تحديات الاستيراد، لا سيما التي تعتمد عليها الكويت بشكل شبه كامل، كالاحتياجات الغذائية أو الدوائية، ناهيك عن الاستهلاكية، وهو ما يتطلب استجابة لوجستية عالية ومحترفة، وقد كان لافتاً في شهر 9 من عام 2023 أن الهيئة العامة للاستثمار أسست الشركة الكويتية للتخزين برأسمال 50 مليون دينار تكاد تكون أغراضها مطابقة لكل احتياجات البلاد اللوجستية مثل (التخزين المتطور-مخازن الأدوية والمستلزمات الطبية -الخدمات الجمركية-نقل المواشي، السيارات، الأغذية - التبريد - مستودعات - صوامع - النقل - الشحن - المناولة -والخدمات الارضية للطيران) غير أن هذه الشركة، ولأسباب غير معلومة، لم تبدأ أعمالها ولا نشاطها التشغيلي.
البدائل اللوجستية
هذا الوضع يفتح المجال للحديث عن البدائل اللوجستية المتاحة أمام الكويت لتخفيف صدمة الإمدادات الخاصة، خصوصاً في ظل عدم تشغيل الشركة الحكومية، إذ يكون أمامنا خيار الاستعانة بالشركات اللوجستية الخاصة - التي تساهم الدولة في بعضها - لوضع خطة تقلل من مصاعب الإمدادات في السلع التي تحتاجها البلاد والمستهلكون وتعمل على خفض التكاليف وضمان أعلى درجة متاحة من انسياب وتدفق البضائع إلى السوق المحلي، مع تكليفها برفع جودة إدارة المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والدواء لضمان الاستفادة منها لأطول فترة ممكنة.
الخدمة والحقوقضرورة رفع مستويات المرونة لدى المصانع المحلية في زيادة إنتاجها من السلع المهمة
بالطبع ثمة من سيتساءل: كيف يمكن أن تتعامل الدولة مع شركات خاصة بعضها عليها قضايا وغرامات ومخالفات؟
في الحقيقة، يجب فصل الخدمة عن الحقوق، فمثلاً شركة بوينغ العملاقة في الولايات المتحدة تواجه العديد من القضايا الجزائية والغرامات ومع ذلك هي أحد أكبر مصنعي أنظمة الدفاع الجوي للجيش الأميركي، وأيضاً شركة أماوزن تعرضت لغرامات عديدة بمليارات الدولارات من الاتحاد الأوروبي وهي ذاتها من أكبر مورّدي المنتجات في القارة الأوروبية، بالتالي لا تعارض بين تعامل الدولة مع شركات تمتلك الخبرة والمعرفة والكفاءة في وقت حرج دولياً وإقليمياً ومحلياً بالتوازي مع حفظ حقوق الدولة كاملة.
بيروقراطية ومرونة
كذلك من المهم أن تتوافق عملية رفع الاستجابة اللوجستية مع تخفيف مستويات البيروقراطية الحكومية، لاسيما تلك المتعلقة بعمليات الشراء المتاحة من الخارج وترسية المناقصات الضرورية مع التأكيد على أهمية عدم الإخلال بكفاءة الجهات الرقابية، خصوصاً ديوان المحاسبة الذي يمكن أن يمارس دوره بشكل كامل وشفاف من خلال الرقابة اللاحقة على التعاقدات ذات العلاقة، مثلاً بالأمن الغذائي أو الدوائي... فضلاً عن رفع مستويات المرونة لدى المصانع المحلية في زيادة إنتاجها من السلع المطلوبة محلياً أو تحويل مسارات إنتاجها إلى سلع مطلوبة.
الاستجابة اللوجستية
لا شك أن الظرف الإقليمي صعب، والخوف أن تمتد التداعيات الاقتصادية والتجارية إلى ما بعد انتهاء الحرب، وقد تتعقد الأمور في المشهد الإقليمي أكثر من الوضع الحالي، وفي كل الأحوال فإن الاستجابة اللوجستية هي التحدي الأكبر في الوقت الحالي، لتخفيف صدمات الإمدادات التي تمس سلعاً أساسية تصعب الحياة من دونها.