كفاءة الاستهلاك ضرورة استراتيجية
تتوالى الاعتداءات الآثمة التي تستهدف محطات القوى الكهربائية وتقطير المياه في الكويت. وإزاء جدية هذا المشهد، لم يعد كافياً الرهان حصراً على إجراءات تأمين عمليات الإنتاج والمخزون الاستراتيجي للمياه، بل بات من الضروري إشراك كل الأطراف الوطنية للاضطلاع بمسؤولياتها في اتخاذ تدابير استباقية تكفل صمود منظومة مياه الشرب.
فالتجارب الدولية أثبتت أن استدامة الإنتاج وسط النزاعات مرهونة بظروف خارجة عن السيطرة التشغيلية لمزود الخدمة. كما أن متانة منظومة مياه الشُّرب تعتمد على تكامل سلسلة الإمداد، وصولاً إلى الدور الجوهري للمستهلك النهائي في ترشيد الاستهلاك. وهنا تبرز الحاجة إلى إدارة مستويات الطلب للمستهلك النهائي، باعتبارها الأداة الأكثر فاعلية لتفادي استنزاف المخزون الاستراتيجي في حال تعثُّر عمليات الإنتاج، ولضمان الاستقرار المائي.
اليوم، وبعد دخولنا في الشهر الثاني من الحرب وما يقارب ثلاثة أسابيع منذ استباحة محطات القوى الكهربائية وتقطير المياه كأهدافٍ مباشرة للعدوان، تتأكد الحاجة إلى خطابٍ مباشر موجَّه للمستهلك، باعتباره المستفيد الأول والمتضرر الأكبر من أي تعطُّل. فتمكين الجمهور، عبر إرشادات مبسَّطة لرفع كفاءة الاستهلاك، يُعزز جاهزية الفرد، ويمنحه القدرة على المساهمة الفعلية في استمرارية تدفق المياه حتى في ظل الطوارئ، ليُصبح المجتمع شريكاً أساسياً في صون هذا المورد الحيوي.
ولعل الترجمة الحقيقية لهذه الخطوات تتجلَّى في تبني إجراءات فنية عاجلة، تبدأ بقيام مُلَّاك المباني السكنية والتجارية والمرافق العامة بالكشف وإصلاح أي تسربات للمياه في مبانيهم. كما يمتد هذا الدور ليشمل مسؤولية أصحاب العقارات والقائمين عليها في تسريع تركيب الأدوات المخفِّضة للاستهلاك. وهي تدابير يسيرة في تنفيذها، لكن حصيلتها التراكمية تُحدث فارقاً ملموساً في تقليل الطلب ودعم صمود منظومة المياه في الدولة.
فإذا ما جرى توجيه الدعوة إلى هذه الممارسات بشكلٍ استباقي، وقبل تعثر إنتاج المياه، فإن المستهلك سيكون قادراً على تبني خيارات تقلل معدَّلات الطلب من دون المساس بجودة المعيشة أو نمط الحياة المُعتاد، بما يمنح المخزون الاستراتيجي الوقت الكافي لإعادة التعبئة، ويضمن استمرار المجتمع في أداء وظائفه بصورةٍ طبيعية. ففي حال تعثر الإنتاج، يضطر مزود الخدمة إلى اللجوء للتقنين القسري، وهو إجراء قد يمتد لفترات طويلة، نظراً للتعقيدات الفنية واللوجستية المرتبطة بإصلاح المحطات، بخلاف القَطع المبرمج للكهرباء الذي يظل محدوداً زمنياً.
وقد أثبتت التجارب المريرة في تعثُّر الخدمات الحيوية حول العالم أن التريث في تنفيذ إدارة الطلب إلى حين وقوع الأزمة يضع صانع القرار أمام خيارات معقدة، ويقلِّص مساحة المناورة الفنية. فالحكومات التي اضطرت إلى التقنين القسري لمواجهة تعطُّل طويل الأمد لم تكن تواجه فجوة الوفرة فحسب، بل واجهت أيضاً تبعات اجتماعية وسياسية متفاقمة. لذا، فإن مُخاطبة المستهلك بشأن تحدياتنا المائية ودوره الجوهري في صمود منظومة مياه الشرب هو الاستثمار الأمثل في رأس المال الاجتماعي، لتحويل المُواطن والمقيم من مستهلكٍ للخدمة إلى شريكٍ فاعل في حماية عصب الحياة، وجعل كفاءة استهلاك المياه مسؤولية وطنية تعزز صمودنا في وجه التقلبات التي لا نملك التحكم بها، لكننا نملك القدرة للتعامل معها.
*دكتوراه في نُظم الطاقة من كلية جامعة لندن (UCL) وباحث متخصص في تقاطع ملفات الطاقة والمياه والتنمية المستدامة