قلب الكويت
في هذه الأيام الصعبة، والخطوب المدلهمة... أجدني أدعو الله سبحانه، من أعماق قلبي، أن يحفظ الكويت الحبيبة- وكل البلاد العربية والإسلامية- من كل أذى ومكروه... وأخصُّ عروس الخليج، وما لي لا أخصُّها؟!- وقد عشتُ فيها عمراً خصيباً، وجالست أستاذاً نجيباً، وعَرَفْتُ طالباً لبيباً، وآنست خلالها بمخالطة أهلها الكرام والمقيمين على أرضها، مخالطة الألفة والتعرف والتعارف الحميد، أبذل طاقتي بأريحية ومودة رحيبتين، بحكم عملي بالجامعة التي تتسع لعشرات الجنسيات... أتيتها تحدوني آمال كبار، تحقق منها ما تحقق، بكرامة وإكرام، وهذه سُنة الحياة تمضي بنا على سَنَنٍ معهود، ومقدرة من لدُن العزيز الوهاب... وهكذا تشكّلت معالم بارزة من رحلتي العملية والعلمية بوهادها ونجادها... ونعمتُ بهذا الفسيفساء الثقافي والإثنوجرافي البالغ الثراء... ووقفتُ على حرية فكرية مسؤولة، وأجواء محفزة للإنتاج والعطاء المتبادل، والمشاركة... وانطلقتُ لإنجاز جُل ما أنجزت من إصدارات وأبحاث ومشاركات... وما سافرت منها يوماً، إلا شدني إليها حنين فسيح وشوق ملح، إلى مرابعها وشوارعها، وإلى سُكناي بالسالمية، وروحاتي إلى العارضية حيث العمل، وجولاتي في مراكزها ومتاحفها، وغشياني منتدياتها ومعارضها وأسواقها، ومكثي الطويل على شاطئها الرفيق الذي خيّل لي يوماً أنه يعرف رواده بأسمائهم! الكويت أيقونة بهجة وأنس، وديرة ذكريات تعمر القلب، وتملأ العين، ولا يدركها حق الإدراك الزائر العابر، أو الوافد المُسْتهلَك وقته في ماديات الحياة... (كويت، كويت موانئ أبحر منها الزمان وواحة حب، وبر أمان وشعبٌ عظيمٌ ورب كريم وأرض يُسيّجها العنفوان شواطئ مصقولةٌ كالمرايا وبحرٌ يوزع كل صباحٍ علينا ألوف الهدايا وأوّل مكتوب حبٍّ أتاني فأشعل عاصفةً في دمايا...) أذكر هذا العزف الشعريّ الأثير، وأردّده كلما اتسع الأفق أمام ناظريّ، وانداحت الرؤى، مستذكراً عازفة الكلمات البارعة، شاعرة الأمنيات الحلوة، والمراثي الصافية، والفتافيت الثائرة، والورود الغاضبة، والعصافير التي تكتب الشعر، والأنثى القصيدة، وآخر السيوف، وقدر الكبير بأن يظلّ كبيراً، تذكرت الشعر والنثر يتجسدان في نخلة عربية أصيلة، تذكرت الشيخة الدكتورة سعاد الصباح، صاحبة هذي الكلمات، التي زرعت أشجار العطاء والوفاء، في مواطن شتى من المعمورة.أستذكر ذلك كله، بوصفه مثالاً باذخاً، لإنسان الكويت الأصيل... أقول هذا، وليس بي حاجة، إلى تأكيد صدقه، وخلوصه من التزيد والمبالغة والتزلف، لكنه حال كثير ممن أعرف، وطالعت، وأنصت... وأروني مثقفاً عربياً معاصراً تخلو مكتبته من إصدارات الكويت، ومجلسها الوطني، ومجلتها العربية الشهيرة...! هذا الحضور الأثير يدعو لشعور عميق لدى عامة المثقفين وخاصتهم بأفضال الكويت الثقافية والخيرة، فضلاً عن مناصرة قضايا الأمة العادلة، وفق مبادئ عروبية راسخة... لكن بي حاجة، إلى إكرام النفس حين تقرّ بالفضل لأهل الفضل، فتدخل في زمرة الأوفياء الشاكرين... وإلى النأي بها عن مقابح الجحود والنكران، و"هل جزاء الإحسان إلا الإحسان"؟! اللهم أنت السلام ومنك السلام، أدم أمان الكويت، واحفظ مَنْ عليها، بِعِزِّكَ الذي لا يُضَام.