
لم يعد مقبولاً أن نستمر في تجميل صورة جامعة الدول العربية أو التعامل معها ككيان يُعوّل عليه. الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح وبدون مجاملة: هذه المؤسسة لم تعد تمثل غطاءً عربياً حقيقياً، بل تحوّلت إلى عبء سياسي وأخلاقي على دول الخليج، وفي مقدمتها الكويت. حين اجتاح النظام العراقي أراضي الكويت في الغزو العراقي لها، سقطت الجامعة العربية في اختبارها الأخطر. لم تكن فقط عاجزة، بل كانت منقسمة، ومرتبكة، ومخيبة للآمال. لم تحمِ دولة عضو، ولم تُقدّم ردعاً، بل تركت الكويت تواجه مصيرها، وكأن الأمن العربي مجرد شعار يُرفع عند الحاجة ويُنسى عند الخطر. واليوم، وبعد كل هذه السنوات، لم يتغير شيء. الاعتداءات على دول الخليج، والتهديدات المتكررة، والتلاعب باستقرار المنطقة، كلها تمر أمام الجامعة العربية وكأنها شأن هامشي. بيانات باهتة، اجتماعات شكلية، ومواقف رمادية تُساوي بين المعتدي والضحية، وكأن الكرامة العربية قابلة للتفاوض. لكن المفارقة الفاضحة تظهر حين يتعلق الأمر بالمال. فجأة تستفيق الجامعة العربية، تُستدعى لغة «الأخوة» و»المصير المشترك»، وتُمد الأيدي نحو الخليج. هنا فقط تتحول الكويت إلى «شريك استراتيجي»، لا لأنها محمية، بل لأنها ممول. هذا النفاق السياسي لم يعد يُحتمل. الكويت، بتاريخها وتضحياتها، ليست بنكاً مفتوحاً لكيان لا يحميها. وليست ملزمة بالاستمرار في دعم مؤسسة لا تملك إرادة، ولا قراراً، ولا حتى الحد الأدنى من الكرامة السياسية. ولهذا، فإن الوقت قد حان لموقف واضح: يجب على الكويت أن تُصحح وضعها مع الجامعة العربية. ليس عبر الانسحاب العاطفي، بل عبر إعادة تعريف العلاقة بالكامل. دعم مشروط، موقف صارم، ورفض قاطع لأي التزام لا يقابله موقف سياسي حقيقي يحمي السيادة ويصون الأمن. الكويت اليوم ليست كما كانت في الماضي. أكثر وعيًا، أكثر قوة، وأكثر قدرة على بناء تحالفاتها بعيداً عن الأطر الفارغة. والاستمرار في تمويل الصمت ليس كرماً... إنما خطأ استراتيجي. أما جامعة الدول العربية بصيغتها الحالية، فهي لم تعد فقط عاجزة... بل أصبحت جزءاً من المشكلة. والتعامل معها كحليف... هو أخطر أشكال الوهم السياسي.