محور إسلام آباد الرباعي: هل بدأت ملامح «الاستقلال الاستراتيجي» في المنطقة؟
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، ومع تصاعد التهديدات التي طالت الموانئ والبنية التحتية في الكويت والخليج، بما يعكس اتساع دائرة الاستهداف إلى مستويات غير مسبوقة، جاءت التحركات الدبلوماسية في إسلام آباد لتفتح باباً واسعاً للتساؤل: هل نحن أمام بداية تشكّل نظام إقليمي جديد، أم مجرد تنسيق ظرفي سرعان ما يتلاشى تحت ضغط التوازنات الدولية؟
اجتماع السعودية وتركيا ومصر وباكستان لا يمكن قراءته كحدث عابر، بل كإشارة أولية إلى محاولة إعادة تعريف موقع المنطقة في معادلة القوة العالمية. فهل نحن بصدد انتقال تدريجي من منطق الاحتماء بالمظلة الدولية إلى بناء مظلة إقليمية ذاتية؟ أم أن هذا الحراك سيبقى محكوماً بسقف التفاهمات مع القوى الكبرى؟
من الاعتماد الخارجي إلى إعادة تعريف الأمن
كشفت تجارب المنطقة خلال العقود الماضية هشاشة الرهان المطلق على الخارج، حيث لم تعد التحالفات التقليدية ضمانة كافية، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات لإدارة الصراع لا حله. هذا الإدراك المتراكم أعاد طرح سؤال جوهري حول طبيعة الأمن في المنطقة: هل يُستورد من الخارج أم يُبنى من الداخل؟
وقد ساهمت سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تسريع هذا التحول، إذ أعاد تعريف العلاقة مع الحلفاء بمنطق الدفع مقابل الحماية، مع تراجع فعلي لدور مؤسسات مثل الأمم المتحدة. هذا النهج وضع دول المنطقة أمام واقع جديد لا مجال فيه للاعتماد الكامل على المظلات الخارجية، ما جعل البحث عن بدائل إقليمية ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً.
توازنات جديدة: الوساطة وكسر الاستنزاف
في هذا السياق، يبرز الدور الباكستاني كعنصر نوعي، ليس فقط بامتلاكه للسلاح النووي، بل بقدرته على لعب دور وسيط يتمتع بهامش من الاستقلال عن الإملاءات الدولية. كما أن الطرح المتعلق بتأمين الملاحة في مضيق هرمز بضمانات إقليمية يعكس تحولاً في التفكير الاستراتيجي، يقوم على تقليل الاعتماد على القوى الخارجية في إدارة الملفات الحساسة.
وفي الوقت ذاته، يفتح هذا التنسيق الباب أمام كسر نمط الاستنزاف الذي قامت عليه صراعات المنطقة، خاصة تلك التي استندت إلى البعد الطائفي، حيث يمكن لتحويل الصراع إلى توازن مصالح أن يسحب الذرائع من القوى التي تراهن على الفوضى والتصعيد، ويحد من قدرة أي طرف على جر المنطقة إلى مواجهات مفتوحة تخدم أجندات خارجية.
مصادر القوة في المحور الرباعي
لفهم جدية هذا التكتل، لا بد من النظر إلى طبيعة عناصر القوة التي يحملها كل طرف فيه، فالمملكة العربية السعودية تمثل ثقلاً اقتصادياً وطاقياً عالمياً، بما تملكه من تأثير مباشر في أسواق النفط وقدرات مالية واستثمارية هائلة، إلى جانب مكانتها الدينية التي تمنحها بعداً معنوياً مؤثراً في العالم الإسلامي. أما تركيا، فهي تقدم نموذجاً للقوة العسكرية الديناميكية، بجيش متطور وصناعات دفاعية متنامية، إضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يمنحها دوراً محورياً بين آسيا وأوروبا.
في المقابل، تشكل مصر عمقاً بشرياً واستراتيجياً مهماً، بكتلة سكانية كبيرة وجيش تقليدي ضخم، فضلاً عن سيطرتها على قناة السويس التي تعد أحد أهم شرايين التجارة العالمية. وتأتي باكستان لتضيف بعداً استراتيجياً نوعياً، بامتلاكها للسلاح النووي وخبرة عسكرية معتبرة، إلى جانب موقعها الجغرافي القريب من بؤر التوتر، ما يمنحها قدرة على لعب أدوار ردع وتوازن لا تتوفر لغيرها.
إن اجتماع هذه العناصر المتنوعة في إطار تنسيقي واحد يمنح هذا المحور وزناً حقيقياً يتجاوز كونه تحالفاً سياسياً عابراً، ليقترب من كونه نواة محتملة لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي.
الدبلوماسية الاقتصادية والتحول في أدوات القوة
لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن الحضور الصيني المتنامي، حيث تميل الصين إلى دعم استقرار إقليمي يضمن مصالحها الاقتصادية دون تدخل مباشر. وفي ظل هذه التحولات، يبرز تساؤل جوهري حول الأدوات التي يمكن لدول الخليج توظيفها في إدارة توازناتها.
فالنهج الذي رسخه ترامب، والقائم على منطق الصفقات، فتح الباب أمام التفكير بأساليب غير تقليدية، من بينها توظيف القوة الاقتصادية كأداة نفوذ. ويكمن أحد السيناريوهات في بناء شبكة تأثير تعتمد على إعادة توجيه الاستثمارات والدعم الاقتصادي نحو دول إقليمية مؤثرة مثل باكستان وتركيا، وربما دول تمر بظروف انتقالية مثل سورية، بما يخلق ضغطاً غير مباشر على إيران عبر أطراف تمتلك قدرة على التأثير السياسي والأمني.
بهذا المعنى، تصبح الدبلوماسية الاقتصادية أداة أكثر مرونة وأقل كلفة من المواجهة المباشرة، وقادرة على تحقيق توازنات جديدة دون الانزلاق إلى صدام مفتوح.
وفي هذا الإطار، يظل التحدي الحقيقي أمام هذا المحور ليس في إعلان النوايا، بل في القدرة على تحويل هذا التنسيق إلى آليات عمل مؤسسية مستدامة، تقوم على وضوح الأهداف وتوزيع الأدوار وتكامل المصالح. فالتاريخ الإقليمي حافل بمحاولات تنسيق لم تكتمل، إما بسبب تضارب الأولويات أو الضغوط الخارجية، لذلك فإن نجاح هذا التوجه مرهون بقدرته على تجاوز الطابع المرحلي، والانتقال إلى شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة، لا ردود الفعل المؤقتة.
أفق السيادة والقرار الوطني
في المحصلة، لا يبدو أن ما حدث في إسلام آباد مجرد تنسيق عابر، بل قد يكون بداية مسار طويل نحو إعادة تشكيل مفهوم السيادة في المنطقة. السؤال لم يعد «من يحمي من؟»، بل «كيف تبني الدول توازناتها بنفسها؟».
هل سينجح هذا المحور في الصمود أمام الضغوط الدولية ومحاولات التفكيك، أم سيعاد احتواؤه ضمن الأطر التقليدية؟ هذا ما ستكشفه المرحلة المقبلة.
لكن المؤكد أن القضية لم تعد من يحمي المنطقة، بل كيف تعيد تعريف أمنها بعيداً عن أوهام الحماية التقليدية. وما حدث في إسلام آباد قد لا يكون تحالفاً مكتملاً بعد، لكنه بلا شك بداية وعي جديد، ان القرار حين يُصنع من داخل الإقليم، يصبح أكثر ثباتاً من أي ضمانات تأتي من خارجه.
*وزير الصحة الأسبق