خبر أم شائعة؟

نشر في 06-04-2026
آخر تحديث 05-04-2026 | 19:24
 د. بلال عقل الصنديد

في أزمنة الحروب وحالات الطوارئ، تتبدّل أولويات الأفراد والمجتمع، ويصبح الوصول إلى المعلومة الدقيقة مسألة تتجاوز الفضول إلى نطاق السلامة الشخصية والأمن المجتمعي. 

وحين تتسارع الأحداث ويتصاعد التوتر يواجه الأفراد سيلاً غير اعتيادي من الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي بطبيعتها التفاعلية تسهّل انتشار المواد الإخبارية المكتوبة والمرئية - والتي أصبح كثير منها مفبركاً بالذكاء الاصطناعي- وذلك دون اعتماد آليات التدقيق التقليدية للعمل الصحفي المهني.

فبينما كان الإعلام التقليدي يعتمد مراحل تحرير ومراجعة صارمة قبل النشر، أصبحت المعلومة اليوم تُبثّ بضغطة زر، وسمح كل فرد لنفسه بأن يتصرف كصحافي ومحلل سياسي، وسبّاق في نقل الخبر، الأمر الذي فتح الباب أمام انتشار الشائعات والأخبار المضللة.

ومن زاوية متصلة، لا يمكن إغفال التحوّل العميق في علاقة الجيل الجديد بالإعلام، إذ إن أغلبية أفراده لم تعش تجربة الصحيفة الورقية، بل إن كثيرين منهم ربما لم تمس أيديهم جريدة مطبوعة طوال حياتهم. هذا الانقطاع لم يكن شكلياً فحسب، بل انعكس على طبيعة التلقي ذاتها، حيث تراجعت فكرة المصدر الواحد الموثوق، وحلّ محلها تدفّق مفتوح ومتسارع للمعلومات من مصادر متعددة، متفاوتة في مصداقيتها ومعاييرها المهنية.

***

ومما لا شك فيه ان التعرّض المتكرر للأخبار غير الموثوقة يقود إلى حالة من التشوّش ذي الآثار السلبية الملموسة. فلا يقتصر خطر هذا النوع من الأخبار على فكرة التضليل فحسب، بل يمتد ليطال أبعاداً أمنية واقتصادية ونفسية عميقة، تُفاقم هشاشة المجتمعات في أوقات الأزمات.

على المستوى الأمني، قد تُفضي المعلومات المغلوطة إلى سلوكيات غير محسوبة، بما يخلّ بمتطلبات السلامة ويُضعف القدرة على الاستجابة السليمة لتوجيهات الجهات الرسمية. كما أن تداول الصور والمقاطع المصوّرة دون ضوابط أو تقدير لتبعاتها قد يفضي، ولو من غير قصد، إلى كشف معطيات حساسة يمكن أن يستغلّها المعتدي لتعزيز قدرته على الإضرار وتوسيع نطاقه.

وعلى المستوى الاقتصادي، فإن انتشار الأخبار غير الدقيقة يؤثر سلباً على ثقة المستهلكين والمستثمرين في السوق. فيتم التهافت على شراء سلع معينة أو سحب الودائع، بما يخلّ بتوازن العرض والطلب. كما أن تضخيم بعض الوقائع أو تحريفها قد يُضعف الاستقرار الاقتصادي في لحظات تتطلب أعلى درجات الانضباط والثقة.

أما على المستوى النفسي، فتُسهم الأخبار غير الدقيقة في إشاعة حالة من القلق الجماعي وتضخيم الإحساس بالخطر. كما تؤدي كثافة التعرض لمحتوى متضارب أو مثير إلى استنزاف الانتباه وإضعاف القدرة على التقييم الهادئ، ما ينعكس شعوراً بعدم اليقين تجاه ما يجري.

***

ومن هذا المنطلق، لا يقتصر التحدي اليوم على مواجهة الأخبار المضللة وترسيخ ثقافة التحقق من المصدر، بل يمتد إلى إعادة بناء الوعي الإعلامي برمّته، ولا سيما لدى الأجيال الجديدة. فالمعلومة، خصوصاً في أوقات الأزمات، ينبغي أن تُستمد من الجهات الرسمية أو الوسائل الإعلامية الموثوقة، لا من الحسابات المجهولة أو الرسائل المتداولة. وبذلك، لم يعد دور المتلقي سلبياً، بل غدا فاعلاً، يقوم على التحقق والتدقيق قبل اتخاذ قرار إعادة النشر، الذي يجب أن يظل إجراءً استثنائياً محكوماً بالمسؤولية.

* كاتب ومستشار قانوني

back to top