الخلاف في الرأي يفسد بعض الود إن لم يكن كله! *
تفضِّل الصمت، نعم، فتبقى وسط الصخب المجنون وحدك، تعيش بداخل نفسك، ربما خوفاً من أن يضيع آخر ما تبقَّى من ذرة عقلٍ أو تفكير أبعد من هذه اللحظة المغمسة بالخوف.
الصمت أحياناً هو خوف من أن تتحوَّل الكلمة إلى تهمةٍ تزج بصاحبها في متاهات لا نهايات لها، أو هو كثيراً ربما سلاح لردم ما يمكن أن يُصبح حفرةً عميقة، أو شرخاً يصعب ترميمه حتى مع الزمن. وفيما قالوا إن الزمن كفيل بتخفيف حجم الحزن أو الفقدان، إلا أن الشرخ في النفوس أو بين البشر يصعب أحياناً أن يتلاشى مع الزمن، لأن الكلمة أقسى من السكين، وما أكثر السكاكين في مدننا!
عادت لك نصيحة التعقل بالصمت حين صار بعض المعارف، أو حتى الأصدقاء، يُلحون ويُصرون عليك بالكلام، ويكررون ما حفظوه من حِكمةٍ قديمة: «الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية». حينها تزداد التزاماً بصمتك، لأن هناك سوء فهم ربما في الفرق بين الرأي الذي تكوَّن عبر حقائق وتفكير وتدبير، والرأي الذي يجوب شبكات التواصل ويُردِّده البعض، حتى يحفظه الكثيرون، ربما لخوفهم والحرب لا أُفق لنهاياتها، أو ربما لأن الحقائق تاهت بين أمواجٍ متلاطمة في بحورٍ واسعة من الغموض، أو قلة المعرفة، أو نُقصان في الشفافية.
بعضهم يقول لك: هذا رأيي، وعندما يحتدم النقاش أو يحتد بسؤالٍ بسيط عن المعلومات التي بُني عليها الرأي، يبرز حجم قلة المعرفة، حتى لا نقول الجهل، رغم أن صديقنا «غوغل» متوافر وسريع في تأكيد المعلومة أو نفيها.
يُكرِّر بعضهم معلومة غير دقيقة، فتأتي له بمراجع تُوثق أن ما بنى رأيه عليه ليس صحيحاً، وهنا يبدو الفرق الشاسع بين الرأي المبني على الحقائق والمعرفة، والآخر الذي ينبع من الغرائز، والقابل لتصديق ما يُقال عن الآخر، الذي هو- في رأيه- لا يُشبهه، لذلك فهو عدوه!
أخطر ما في عبارة الخلاف في الرأي هو ذاك الخلط الذي قد يخدم- ربما عن قصدٍ، أو من دون قصد- روايات القوى التي تملك القدرة على تشكيل الوعي أو تسيطر على الفضاءات كُلها.
حين تُختزل الوقائع والحقائق الموثقة في مجرَّد «آراء»، يُصبح من السهل التلاعب بالوعي العام، وتضيع البوصلة بين ما هو واقع وحقيقي على الأرض، كما تشير مصادر المالكين للسلاح والوقود والاقتصاد والسياسة والإعلام، وهي كل الأدوات المحركة والمرتبطة ببعضها.
خطوط التماس في وقت الحروب لا تبدو واضحة في فصل المتنازعين فحسب، بل ترسم حدوداً قاسية داخل النفوس، ويُصبح الانتماء الضيق ملاذاً، وينظر للحوار والانفتاح وصوت العقل كمجرَّد سذاجة، أو ربما خيانة!
مع ذلك علينا أن ننبش بين الغيوم التي عكَّرت سماواتنا عن ضوء ربما هو في البعض الذي رفض التمترس خلف خط أو موقف أو عبارة أو عائلة أو قبيلة، أو طائفة، أو دين، أو منطقة أو أو أو، وبقي مُمسكاً ببعض القِيم والكثير من الإنسانية والتوق للعدالة، التي تُربي عليها الأديان، والتي تُشوَّه الآن باسم الأديان أيضاً. ألا يقول بعضهم إننا ننصر قول الله، أو إن الله معنا، أو إننا نتبع هذا الكتاب المقدَّس أو ذاك؟! ألم يجلس الرجل البرتقالي في مكتبه المستدير مُحاطاً بـ «مريديه»؟ ألا يبيد ذاك القابع في ملجأه في عاصمة كيانه باسم الدِّين؟
* يُنَشر بالتزامن مع الشروق المصرية