الذهب... شاهد صامت على اختلال الموازين

نشر في 04-04-2026
آخر تحديث 04-04-2026 | 20:24
No Image Caption

في عالمٍ يتآكل فيه اليقين، وتُعاد فيه كتابة قواعد الاقتصاد على وقع الحروب والديون المتصاعدة، يعود الذهب ليتصدر المشهد مرة أخرى، ليس فقط كأبرز طوق نجاة، ولكن أيضاً كآخر الشهود الصامتين على اختلال الموازين.

ليس فقط كمعدنٍ ثمين، بل كمرآة تعكس ما لا يُقال ما لا يُراد له أن يُرى، فمنذ أن فكت الولايات المتحدة ارتباط الدولار بالذهب في سبعينيات القرن الماضي، تحوّل المال من شيءٍ «يُقاس» إلى شيءٍ «يُقدر» ومن «أصلٍ ملموس» إلى «وعدٍ قابل للتآكل».

ومع مرور العقود، تضخم هذا الوعد حتى بلغ مستويات غير مسبوقة، حيث تجاوز الدين الأميركي عشرات التريليونات، في مسار صاعد لم يعرف التراجع إلا نادرًا، فيما كان الغطاء الذهبي للعملة الأميركية يتآكل ببطء، ورغم أنه لا يزال الأضخم في العالم فإنه فقد أهميته بشكل ملحوظ.

وهنا يبدأ السؤال الذي يهمس به البعض في الخلفية: ماذا لو أعدنا ربط هذا العالم المترنّح بمرساة الذهب؟ ماذا لو قسنا قيمة هذا الدين الهائل بما يقابله من احتياطي ذهبي فعلي؟

بعض النماذج تذهب إلى أن مجرد تغطية جزئية للدين الأميركي المتفاقم قد تدفع السعر – نظرياً - إلى مستويات تفوق الحالية بعدة أضعاف، بل إلى عشرات الآلاف من الدولارات للأوقية الواحدة.

وفي ظل علاقة تاريخية تميل أحياناً إلى الارتباط بين صعود الدين وارتفاع الذهب، تبدو الفكرة للوهلة الأولى منطقية بل وربما حتمية. لكن هل نحن أمام «حقيقة مخفية» لم تُسعّر بعد؟ أم مجرد انعكاس ذهني لعالمٍ تغير نحاول قياسه بأدوات من زمن انتهى؟

الذهب في ميزان الدَّين

في بداية أربعينيات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة تمتلك زهاء 650 مليون أوقية من الذهب (20.2 ألف طن متري)، وهو أعلى مستوى تسجله البلاد على الإطلاق، وكان يعادل ذلك نحو 50% من حجم الدين الفدرالي للبلاد، والذي كان يقدر بعشرات المليارات من الدولارات آنذاك.

بحلول عام 1980 (بعد «صدمة نيكسون» وفك ارتباط الدولار بالذهب) هبطت حيازة البلاد من المعدن النفيس إلى 264 مليون أوقية (8.2 آلاف طن) وكان ذلك يعادل 18% من حجم الدين الأميركي الذي تجاوز 900 مليار دولار آنذاك.

أما الآن، فبالنظر إلى حجم الدين الأميركي المتضخم الذي تجاوز 39 تريليون دولار، فإن احتياطي البلاد من الذهب (لم يتغير كثيراً منذ بداية الثمانينيات) يمثل 3% فقط منه عند الأسعار الحالية (بين 4800 و4600 دولار للأوقية)، مقترباً من مستواه التاريخي المنخفض.

البعض ممن يفترضون ثبات العلاقة بين الذهب والدين الأميركي، يرون أن السعر الحالي للذهب غير عادل، أو على الأقل غير معبر عن عبء الدين وطباعة المال الذي يجب أن يغطيه احتياطي الولايات المتحدة من المعدن النفيس.

- إذا ما قورنت نسبة الذهب إلى الدين الحالية بنظيرتها في بداية الثمانينيات، فهذا يعني أن السعر الضمني الذي يعيد العلاقة إلى ما كانت عليه قبل 46 عاماً ينبغي أن يكون 6 أضعاف (18%÷3%) ما هو عليه الآن أو ما يعادل تقريباً 28 ألف دولار للأوقية.

لكن إذا ما عدنا إلى الأيام الأخيرة لنظام قاعدة الذهب وما قبل «بريتون وودز»، وتحديداً بداية الأربعينيات، وافترضنا أن العلاقة بين الدين الأميركي والاحتياطي الذهبي ثابتة، فإن هذا يعني أن السعر الضمني (50%÷3%) يعادل 16.7 مرة المستوى الحالي أو نحو 78 ألف دولار للأوقية.

هذه الأسعار الضمنية لا تشير بحال من الأحوال إلى «الأسعار العادلة» بقدر ما تشير إلى المستويات التي تحتاجها أميركا للعودة بمعدل الغطاء الذهبي إلى ما كان عليه في السابق، وإن دلت على شيء فسيكون «إفراط الاستدانة».

لماذا ليست عادلة؟

ما يجعل هذا المفهوم مثيراً للجدل، أنه يفترض ضرورة ثبات العلاقة بين الذهب والدين الأميركي، في حين أن العلاقة تغيرت في الأربعينيات عندما جرى الربط بين الدولار والذهب عبر اتفاقية «بريتون وودز»، ثم تغيرت مرة أخرى عند فك الارتباط في السبعينيات وتحرير العملة.

لكن النقطة الأهم والتي تسقط هذا التحليل في وجهة نظر الكثيرين، هي أنه يفترض أن الماضي لا يزال معياراً صالحاً للحاضر، بغض النظر عن طبيعة الاقتصاد المعاصر الذي أصبح أكثر تعقيداً وتشابكاً.

في ظاهرها، تبدو فكرة السعر الضمني للذهب قائمة على منطق رياضي صارم، لكن هذا النموذج لا يقيس القيمة، بل يعيد افتراض نظام نقدي لم يعد قائمًا، فهو يتعامل مع الذهب كما لو أنه لا يزال محور النظام المالي العالمي.

كما أنه يتجاهل حقيقة جوهرية هي أن الدولار هو العملة الرئيسية للعالم الآن، والأهم، أنها لم تعد تستمد قوتها من غطاء ذهبي (ما يفسر جزئياً عدم اهتمام أميركا بزيادة احتياطياتها منذ عقود) وإنما من الثقة الدولية في واشنطن، وسياستها النقدية، والتزاماتها تجاه الشركاء.

أضف إلى ذلك أن المؤسسات الكبرى مثل صندوق النقد الدولي تنظر إلى الذهب اليوم كأصل احتياطي ضمن سلة أوسع، وليس كمرساة وحيدة للنظام النقدي.

في عالم تُصنع فيه السيولة بقرارات البنوك المركزية، وتُعاد فيه هيكلة الديون عبر أدوات مالية معقدة، تصبح العلاقة الخطية البسيطة بين الذهب والدين أقرب إلى تمرين ذهني منها إلى نموذج تقييم فعلي.

إن الخلل الذي تعكسه هذه النظرية يكمن في جوهر المالية العامة الأمريكية الشرهة للدين، وإذا فرضنا (جدلاً) أنه لا بد من حل لإعادة الأمور إلى نصابها، فسيكون عن طريق زيادة احتياطيات أمريكا من الذهب بشكل كبير وليس إعادة تسعير المعدن النفيس، لكن حتى هذا لم يعد ضرورياً. 

كل شيء تغير

لا يمكن الاستناد إلى نسب «الذهب إلى الدين» القديمة، خصوصاً قبل انهيار اتفاقية «بريتون وودز» لسبب وجيه جداً، وهو أن أسعار الذهب آنذاك كانت ثابتة وتحدد سلفاً من قبل الحكومات، وهذا يجعلها غير قابلة للمقارنة مع الأسعار الحالية الحرة.

حتى قيمة الدين نفسه لم تعد كما هي، فمثلاً 50 مليار دولار عام 1940  تعادل 1.2 تريليون دولار الآن، و900 مليار في عام 1980 تعادل 3.6 تريليونات دولار بقيمة الأموال المعدلة وفقاً للتضخم.

إن مقارنة الدين المُقوّم بالعملات الورقية (حالياً) بنسب الذهب القديمة أشبه بمقارنة التفاح بالبرتقال، حيث لا توجد بينهما معادلة ثابتة، ويُحذر الاقتصاديون من أن مجرد ربط سلسلتين بيانيتين (احتياطيات الذهب مقابل الدين) يُنتج ارتباطاً زائفاً.

في الواقع، تعتمد قيمة الذهب الحالية على عوامل سوقية مُعقّدة، وليس فقط على الميزانيات العمومية الحكومية، مثل التضخم وأسعار الفائدة الحقيقية، يضاف إلى ذلك توجه البنوك المركزية مؤخراً إلى مراكمة الذهب لمواجهة عدم اليقين وتقلب السياسات الأميركية.

الدولار الأميركي هو العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم، وهذه الميزة الكبيرة تعني أن الولايات المتحدة تستطيع الاقتراض بتكلفة منخفضة بعملتها، ولا تحتاج إلى تسوية ديونها بالذهب.

الابتكار المالي: يشمل الدين الأميركي الآن سندات الخزانة، وسندات الخزانة المحمية من التضخم (TIPS)، وسندات الدين المضمونة (CDOs)، وغيرها، فيما تتأثر أسعار الذهب بالعقود الآجلة، والخيارات، وصناديق المؤشرات المتداولة، وحتى المشتقات بالإضافة إلى تداول السبائك المادية.

باختصار، أصبحت الأسواق المالية أكثر تعقيداً بكثير مما كانت عليه في عام 1940، فيما يتم تمويل العجز المالي الأميركي دون اللجوء إلى الذهب، عبر مزادات السندات.

وقد توحي الأرقام في السردية غير المنضبطة بأن الذهب أقل من قيمته بعشرات الآلاف من الدولارات، لكن الحقيقة أن العالم تغير وجرى إعادة تسعير كل الأصول، كما يجري الآن إعادة تسعير لكل الأصول تقريباً بما في ذلك الذهب والدولار، فهل يتغير العالم مرة أخرى معهما؟.

 

back to top