من غير تحية... محاكم التفتيش الجديدة

نشر في 05-04-2026
آخر تحديث 04-04-2026 | 19:16
الوطنية لا تُفرض بالعصا، ولا تُقاس بحجم الضجيج، ولا تُختزل في شعارات جوفاء. الوطنية موقف حين يلزم الموقف، وعمل حين يتطلب العمل، وصمت حين يكون الصمت أكثر شرفاً من الكلام.
 ضاري المير

ما يحدث اليوم ليس اختلافاً في الرأي، بل هو انحراف فجّ في معنى الوطنية. هناك مَنْ اختطف مفهوم الوطن، وحوَّله إلى منصة تفتيش، يُنصِّب نفسه فيها قاضياً وجلاداً، يوزِّع صكوك الولاء، ويُصنِّف الناس وفق مزاجه: هذا «مخلص» لأنه صرخ، وذاك «مشبوه» لأنه صمت. أي سقوط أخلاقي هذا الذي يُختزل فيه الوطن إلى بيان، والكرامة إلى توقيع؟! أي وطن يُطلب له إثبات يومي؟! وأي ولاء هذا الذي لا يُعترف به إلا إذا مرَّ عبر بوابة التهليل؟! 
الحقيقة الأكثر مرارةً، أن هذا الخطاب لم يعد حِكراً على أطرافٍ هامشية، بل امتد -للأسف- إلى شخصيات عامة ومنصات تُقدِّم نفسها بوصفها صوتاً للوطنية، فيما تمارس اليوم دور التشكيك في ولاء الناس، وتُغذِّي ثقافة الاتهام بدلاً من ترسيخ الثقة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين يتحوَّل مَنْ يُفترض بهم تهدئة الشارع إلى وقودٍ للانقسام. 
ما يجري اليوم هو ابتزاز مكشوف، لا لبس فيه. ضغط فجّ على الناس، وتخويف مبطَّن، ومحاولات مستمرة لإجبار المجتمع على السير في قطيعٍ واحد. مَنْ لا يُبايع يُتَّهم، ومَنْ لا يكتب يُدان، ومَنْ لا يصرخ يُشكَّك فيه. وكأن العقول يجب أن تُعطَّل، والضمائر أن تُستأجر... هذه ليست وطنية، هذه وصاية مريضة، وليست غيرة على الوطن، بل رغبة في السيطرة على الناس. 
الوطنية لا تُفرض بالعصا، ولا تُقاس بحجم الضجيج، ولا تُختزل في شعارات جوفاء. الوطنية موقف حين يلزم الموقف، وعمل حين يتطلب العمل، وصمت حين يكون الصمت أكثر شرفاً من الكلام. 
الأسوأ أن هذا النهج لا يحمي الوطن، بل يفتته. يزرع الشك، ويهدم الثقة، ويحوِّل المجتمع إلى ساحة تخوينٍ مفتوحة. كل فرد متهم حتى يثبت ولاءه، وكل صامت مشكوك فيه، وكل مختلف مُستهدف. 
بهذه العقلية، لا تُبنى الأوطان، بل تُهدم من الداخل. مَنْ أعطاكم حق مصادرة ضمائر الناس؟ ومَنْ خوَّلكم لتكونوا مقياس الوطنية الوحيد؟! 
الوطن ليس مزرعةً خاصة، ولا منبراً لمن يرفع صوته أكثر. الوطن أكبر منكم، وأعمق من شعاراتكم، وأنظف من هذا العبث اليومي. كفى مهزلة، وكفى إرهاباً معنوياً، وكفى تحويل حُب الوطن إلى أداة قمع. دعوا الناس وشأنهم. مَنْ يحب وطنه لا يحتاج إذناً ليُثبت ذلك، ولا ينتظر تصفيقاً ليُقنع الآخرين. أما أنتم، فبما تمارسونه اليوم، لا تدافعون عن الوطن، بل تسيئون إليه، وتشوِّهون معناه، وتدفعون الناس إلى النفور منه بدل الالتفاف حوله.

back to top