الولاء الوطني مُقدّم على أي ولاء
عندما يتقدّم الولاء العقدي «الديني» على الولاء والانتماء الوطني في أي مجتمع، فلأنه يبقى أمام بيئة قابلة للاهتزاز، قد تتحول في أي لحظة إلى مصدر تهدد استقراره الاجتماعي.
فاختلال ميزان الانتماء يفتح الباب أمام صراعات داخلية لا تُحمد عقباها. تتبنى بعض التيارات الدينية، في المذهب السني، ما يُعرف بمبدأ «الولاء والبراء» أي الولاء للمؤمنين ونصرتهم، والبراء من الكفر وأهله وفق تفسيرات محددة. وقد نُظّر لهذا المفهوم تاريخياً وجرى توسيعه في بعض المدارس حتى أصبح جزءاً من البناء العقدي عند بعضهم.
وفي المقابل، لدى بعض التيارات في المذهب الشيعي مفهوم مشابه هو «التولي والتبري»، القائم على موالاة أهل البيت والبراءة من خصومهم.
في صورته المجردة، لا يُعد هذا المبدأ خطيراً بحد ذاته، إذ يمكن أن يبقى في إطار ديني داخلي لا يتعارض مع احترام القانون والتعايش والتعددية.
لكن الخطورة تظهر عندما يُفهم بشكل متشدد وإقصائي، فيُحصر الولاء في دائرة ضيقة، ويُمارس البراء على شكل تكفير أو تخوين لكل مخالف. هنا يبدأ الخلل الحقيقي، إذ يتحول الفرد من مواطن مندمج في مجتمعه إلى عنصر منفصل، يرى الآخرين خصوماً لا شركاء.
وقد يصل الأمر إلى رفض القوانين، أو عدم الاعتراف بالمواطنة، مما يؤدي إلى عزلة اجتماعية، والتمهيد لصراعات طائفية تهدد كيان الدولة والمجتمع. تتجلى هذه الإشكالية بوضوح لدى جماعات الإسلام السياسي، السنية أو الشيعية على حد السواء، التي تتعامل مع هذا المبدأ باعتباره حقيقة مطلقة، وما سواها باطل.
فينشأ ولاء أعمى يتجاوز حدود الوطن، ويُبرر الصدام مع المجتمع والدولة، بل وقد يبرر العنف تحت غطاء ديني. منذ سقوط الخلافة العثمانية، ومع صعود الدولة الوطنية الحديثة، برزت محاولات لإحياء مشاريع دينية بديلة تسعى لملء الفراغ لدولة الخلافة أو الدولة الدينية، سواء عبر حركات سياسية أو نظريات دينية للحكم. وغالباً ما تتقاطع هذه المشاريع في فرض نماذج حكم أحادية، تستغل فيها العاطفة الدينية، وتخاصم على الدوام العلوم الإنسانية أو أي فكر نقدي أو فلسفي عقلاني.
إن دمج مشروع الدولة الدينية مع مفهوم الولاء العقدي بصيغته المتشددة لا ينتج إلا صراعاً مع الدولة الوطنية الحديثة. فهو يخلق ازدواجية خطيرة لدى الفرد بين الانتماء لوطنه أو لجماعته، وقد يدفعه إلى تفضيل الثاني ولو على حساب أمن المجتمع واستقراره. الحل لا يكون في إلغاء الدين، بل في ترسيخ فهم متوازن يعزز المواطنة، ويؤكد أن الانتماء الوطني هو الإطار الجامع للجميع.
فالوطن هو الضامن للاستقرار، ومن دونه لا يمكن حماية أي قضية أو تحقيق لأي عدالة مستحقة. نحن بحاجة إلى نشر الوعي، وتعزيز قيم العدالة، ونبذ خطاب الكراهية الطائفية والعرقية، وبناء ثقة حقيقية بين الفرد والدولة. والتأكيد على مسؤولية الأسرة ووعيها بمتابعة الأبناء، وحمايتهم من أي استقطاب أو تأثير خارجي.
فالوحدة الوطنية ليست مجرد شعار نتغنى به، بل هي خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات في اقليم مضطرب سياسياً وعسكرياً.