ما لا تراه المدينة... جنودنا البواسل في الصفوف الأمامية
في بعض الليالي، تبدو المدينة عادية تماماً. الأضواء ثابتة، الطرق هادئة، والناس تمضي في يومها دون استعجال. لا شيء يوحي أن هناك خطراً قريباً، ولا ما يكشف أن هناك من يقف في مكان أبعد، يراقب ما لا يُرى. طفل يضحك في سيارة، عامل ينهي ورديته، وأسرة تجلس حول مائدة متأخرة. كل شيء يبدو كما يجب أن يكون... طبيعياً. لكن في نقطة ما خارج هذا المشهد، هناك من لا يعيش هذه اللحظة بالطريقة نفسها. عيون مفتوحة، وانتظار لا يُقاس بالوقت، واستعداد لا يتوقف. المدينة لا تشعر بشيء... لكنها ليست وحدها.
خلف هذا الهدوء، تمتد الصفوف الأمامية. ليست مكاناً واحداً، ولا صورة واحدة، بل منظومة كاملة تعمل في صمت. مراقبة، تحليل، جاهزية، واستجابة تُبنى على تفاصيل لا تظهر للعلن. التهديد لا يأتي دائماً بصوت، ولا يُرى قبل أن يصل، ولهذا تُدار الأمور قبل أن تتحول إلى حدث. في هذه المساحة، يصبح الوقت مختلفاً، والقرارات أسرع، والهامش بين الأمان والخطر ضيّقًا جداً. وما يُنجز هناك لا يُقاس بما نراه... بل بما لم يحدث، فكل لحظة تمر بهدوء داخل المدينة تقابلها يقظة في مكان آخر، تعمل دون إعلان.
وفي قلب هذه الصفوف، يقف الإنسان. ليس بوصفه جزءاً من منظومة فقط، بل كعنصر حاسم فيها. تركيز طويل، مسؤولية ثقيلة، واستعداد دائم لقرار لا يحتمل التردد. العمل هنا لا يُصفّق له، ولا يُروى في تفاصيله، لكنه حاضر في النتيجة التي نعيشها. جنودنا البواسل، ومن يقف معهم في الخط الأول، لا ينتظرون أن يُروا... إنما يكتفون بأن يبقى كل شيء كما هو. وهذا بحد ذاته شكل من أشكال العطاء الذي لا يُقاس بالكلام بل بالأثر. أثر يُحافظ على الإيقاع، ويمنح المدينة استقرارها دون أن يطلب شيئًا في المقابل.
ربما لأننا لا نرى الصفوف الأمامية، نعتقد أن الأمان حالة طبيعية. لكن الحقيقة أنه نتيجة يقظة مستمرة، وجهد لا يتوقف، وأشخاص اختاروا أن يكونوا في المكان الذي لا يُلاحظ. نرى الحياة حين تستمر، ولا نلتفت لما يجعلها تستمر بهذه الطريقة. وقد لا تحتاج المدينة إلى أن ترى كل شيء، بقدر ما تحتاج أن تدرك أن هناك من يقف دائما قبلها، ليبقى كل شيء فيها كما هو.
على الهامش: أظهر القطاع المصرفي في الكويت تماسكاً ملحوظاً في ظل التوترات الإقليمية، مع استمرار عمليات السحب والإيداع ضمن مستوياتها الطبيعية دون أي تهافت على السيولة، ما يعكس قوة المراكز المالية للبنوك وقدرتها على التعامل مع الظروف الإقليمية بكفاءة. ويعود هذا الاستقرار إلى الثقة في نظام ضمان الودائع، مدعوماً بسياسات بنك الكويت المركزي، إلى جانب حزمة تحفيزية ساهمت في تعزيز السيولة واستمرارية النشاط الاقتصادي.