غربال

نشر في 03-04-2026
آخر تحديث 02-04-2026 | 17:29
 د. محمد عبدالرحمن العقيل

في الفترة الماضية القريبة لاحظنا كيف تفوقت مواقع التواصل الاجتماعي على القنوات الإخبارية في سرعة نقل الحدث، فكُنَّا نرى الحدث أولاً في مقطعٍ عابر، أو تغريدةٍ عاجلة، ثم تأتي القنوات بعد ذلك لتؤكد الخبر، وتصوغه بشكلٍ احترافي رسمي. كان السبق يومئذ قرينة حضور، ودليل متابعة. غير أن هذا الترتيب لم يصمد طويلاً أمام سيل التزييف الذي أطلقته تقنيات الذكاء الاصطناعي، لا سيما ما عُرف بمحتوى «Deepfake».

ومن هنا، انقلبت المعادلة. لم يعد السبق معياراً للقيمة، بل صار التثبُّت هو الأصل. وعادت الجهات الرسمية، ومعها القنوات الإخبارية «المحترفة»، لتضطلع بدورٍ محوري، دور «الغربال» الذي يُمحِّص، ويدقِّق، ثم يفصل بين ما هو خبرٌ وما هو وَهم.

لذلك، أخذ قطاعٌ واسع من الجمهور يُعيد توجيه بوصلته نحو المصادر الرسمية، طلباً للثقة قبل السرعة، وللدقة قبل الإثارة، خصوصاً في حال الحروب والأزمات، حيث لا يكون للخطأ ثمنٌ إعلامي فحسب، بل قد تكون له تبعات سياسية أو اجتماعية جسيمة.

غير أن هذا التحوُّل- على وجاهته- ينبغي ألا يُفهم على أنه دعوةٌ إلى التلقي الأحادي السلبي، أو الارتهان لقناةٍ واحدة، أو التسليم لكل ما يُبث من دون نظر. فالمشهد الإعلامي، بدوره، ليس بريئاً من التحيز، إذ إن من الوسائل ما يُدار وفق أجندات معلومة، أو ينحاز إلى روايات بعينها، وقد يتقاطع ذلك- صراحةً أو ضمناً- مع مصالح مُعادية، أو خطابات موجهة تخدم مشاريع لا تخفى على ذي بصيرة. 

ومن هنا، فإن الوعي الحقيقي لا يكتفي بالعودة إلى «الإعلام الرسمي»، بل يقتضي تمييز اتجاهاته، وقراءة ما وراء خطابه، ومقارنة مصادره، حتى لا يتحوَّل الباحث عن الحقيقة إلى متلقٍّ لروايةٍ واحدةٍ مغلقة.

وفي خضم هذا المشهد المتشابك، يظل الرهان الحقيقي على وعي المتلقي، الذي لا ينخدع بسهولة ويُحسن النظر، ويُدرك أن الحقيقة- في هذا العصر- لا تُعطى جاهزة، بل تُنتزع انتزاعاً من بين ركام كثيف من الاستقراءات والتوقعات والوقائع والإشاعات.

وفي موازاة هذا التحدي، تتنامى ظاهرة أخرى لا تقل خطراً عن الأخبار الوهمية، وهي ظاهرة الاستماع لبعض المشاهير «المبتذلين»، مما أفضى ذلك في غير موضع إلى انحدار مستوى النقاش العام، حيث تحوَّلت قضايا كبرى إلى مادة للمهاترة، وتراجع فيها معدَّل الرصانة لمصلحة الغوغاء، حتى غدا السباب والصراخ بديلين عن الحجة والبرهان.

إن مواقف الدول لا تُقرأ في تعليقات عابرة، ولا تُستنبط من مقاطع مجتزأة، بل تُفهم في سياقها الرسمي، من خلال بياناتها المعلنة، وخطابها المؤسسي، ومسار سياساتها.

والسؤال المهم: إذا كان ذلك «المشهور» لا يمثل الدولة، ولا يعكس سياستها، فلماذا نُصغي إليه وكأنه يسجل موقفاً رسمياً لدولته؟! أما الأعجب والأغرب، أنه إذا كان شخصاً نكرة في دولةٍ لا تحترم حقوق الإنسان، ولا يُعرف له قدرٌ في علمٍ أو منطقٍ أو رأي، فلماذا نسمعه؟! وهو شخص لا يُتقن إلا الشتم والسباب! أليس لأُذنك عليك حق؟

back to top