تقرير اقتصادي: اقتصاد الكويت في اختبار إدارة خفض احتمالات «عدم اليقين»

الحرب الإقليمية أنهت صلاحية فرضيات الميزانية الجديدة في يومها الأول
عدم بيع النفط يزيد مخاطر السيولة ويضغط على خيارات توفيرها
أصحاب الباب الخامس الأَوْلى بسياسات التيسير الحكومية لتجاوز صدمة الحرب

نشر في 02-04-2026
آخر تحديث 01-04-2026 | 19:33
محمد البغلي
محمد البغلي

مع دخول الحرب الإقليمية بمنطقة الخليج العربي شهرها الثاني، تتعاظم حالة الضبابية، ليس فقط في مجالاتها السياسية أو العسكرية، بل تصل إلى الحالة الاقتصادية، بالتوازي مع تعقُّد المشهد الجيوسياسي، من خلال التوترات غير المسبوقة في مضيق هرمز، التي تعني لدول المنطقة الخليجية وقفاً كاملاً أو جزئياً لصادرات النفط والغاز، أو تنامي مصاعب الواردات السلعية إلى أسواق المنطقة.

وفي كلتا الحالتين تشكِّل صادرات النفط والغاز المصدر الأساسي لتمويل موازنات حكومات دول مجلس التعاون، كما تمثل الواردات أساس تغطية أسواق دول المنطقة من مختلف الاحتياجات الغذائية أو الدوائية أو الاستهلاكية، مع وجود منافذ غير أساسية أو مُكمِّلة لصادرات وواردات السعودية والإمارات وعمان على البحر الأحمر وخليج عمان، فيما تتأثر الكويت وقطر والبحرين بصورةٍ شبه كاملة مع تأزم أوضاع الحرب وإغلاق المضيق... ويزداد الوضع صعوبةً مع استهداف إيران لمنشآت الطاقة والناقلات الخليجية، مما يشير إلى مدى زمني أبعد لحالة الضبابية الجيوسياسية في المنطقة وأثرها على عدم اليقين الاقتصادي.

فرضيات منتهية 

بالنسبة للكويت، فقد دخلت الشهر الثاني من حالة القوة القاهرة، التي تمنع صادراتها من الطاقة، إذ حرمت الخزينة العامة في البلاد من إيرادات نفطية بنحو 1.2 مليار دينار، وفقاً للمعدَّلات الشهرية للسنة المالية الماضية، وتدخل الأسبوع الجاري- مع بداية شهر أبريل- سنتها المالية الجديدة (2026- 2027) بفرضيات انتهت صلاحية معظمها، بسبب الحرب وتداعياتها، فضلاً عن تحديات عدم اليقين التي تُحيط بمستقبلها، سياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً.

في الحقيقة، تحتاج الكويت إلى إدارة تتعامل مع تنامي حالة عدم اليقين الاقتصادية وفقاً لسيناريوهات زمنية متغيِّرة (قصيرة- متوسطة- طويلة) المدى مع وضع احتمالات متنوعة المخاطر   (مقبولة- متوسطة- صعبة) للتعامل مع المتغيِّرات الاقتصادية، خصوصاً تجاه تخفيف الآثار السلبية على المالية العامة وبيئة الأعمال، فضلاً عن سيناريوهات الأمن الغذائي والدوائي.

إدارة الاحتمالات المتعلقة بحالة عدم اليقين ليست تشاؤماً أو نظرة سوداوية بل بغرض التحوط من السيناريوهات الأسوأ

تغير جوهري 

فميزانية 2026-2027 بُنيت على فرضيات، مثل إنتاج 2.6 مليون برميل يومياً بسعر أساس 57 دولاراً للبرميل، بما يحقق إيرادات نفطية بواقع 12.8 مليار دينار، وإيرادات غير نفطية بواقع 3.5 مليارات، مدعومة- وقت إعداد الميزانية- بنموٍ متوقع في إيرادات الضريبة المتعددة الجنسية المفروضة على بعض الشركات الكويتية.

وفي حالتَي الإيرادات النفطية وغير النفطية ثمة تغيُّرٍ جوهري في الاتجاه السلبي، فرغم تضاعف سعر برميل النفط الكويتي من فرضية الأساس في الميزانية إلى 120 دولاراً للبرميل، وفق السعر الرسمي ليوم الأربعاء، فإن الكويت محرومة بفعل القوة القاهرة، الناتجة عن توترات مضيق هرمز من تصدير شُحناتها، كما أن إعادة إنتاج النفط بمستوياته الإنتاجية الكاملة سيستغرق ما بين 3 إلى 4 أشهر حال انتهت الحرب، وفق تصريحات الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية الشيخ نواف سعود الصباح، مما يعني آثاراً مالية ضاغطة أكثر على خزينة الدولة حتى بعد توقف الحرب.

توقعات غير مريحة 

كما أن الرهان على القيمة المتوقعة السابقة للإيرادات غير النفطية قد يتباطأ مع التوقعات غير المريحة للمشهد الاقتصادي العالمي أو الإقليمي، وانعكاس ذلك على أوضاع الشركات المحلية، مما ينتج عنه انخفاض في هذه القيمة المالية المتوقعة.

كذلك الأمر بالنسبة للمصروفات (قيمتها 26.1 مليار دينار)، فربما تُعاد صياغة احتياجات الميزانية الجديدة وفقاً لظروف الحرب الإقليمية من جهة تقليص أو تأجيل بعض مصروفات مشاريع البنية التحتية (الإنفاق الرأسمالي)، البالغة 3 مليارات دينار، لتغطية مستلزمات عسكرية، أو حتى مدنية غذائية أو دوائية، أو لإصلاح مرافق البنية التحتية التي تعرَّضت للاعتداءات الإيرانية.
وقد تصل الأوضاع، من خلال تداعيات الحرب، إلى الحاجة لإصدار ميزانيةٍ جديدة، أو إجراء تعديلات جوهرية على الحالية.

لا بد من سيناريوهات زمنية متغيِّرة المدى مع وضع احتمالات متنوعة المخاطر للتعامل مع التطورات الاقتصادية

تحدٍّ وقيود 

وهنا يبرز تحدي تمويل ميزانية الدولة، وسط تعاظم المصروفات والقيود الصعبة على تحصيل المصروفات، لا سيما النفطية، خصوصاً إذا طال أمد الحرب أو استفحلت نطاقاتها، فمن المهم أن يكون هناك توجُّه واضح لدى الإدارة العامة في تحديد خيارات السيولة، ومخاطر كل فرضية، سواء أكانت توسعاً في الاقتراض من الدَّين العام، أم اللجوء إلى سيولته الموجودة في الاحتياطي العام، أو تسييلاً لأصول الصندوق السيادي، أو اللجوء إلى الاقتراض من المؤسسات المستقلة، كمؤسسة البترول الكويتية، أو الصندوق الكويتي للتنمية، أو الهيئة العامة للاستثمار، أو التأمينات الاجتماعية، أو هيئة شؤون القُصَّر، أو أمانة الأوقاف بفائدة استثمارية... وإن كان خيار الاقتراض من المؤسسات المستقلة هو الأكثر وجاهةً والأقل ضرراً.

بيئة الأعمال

جانبٌ آخر من التحديات الخاصة بالأزمة يحتاج إلى قراءةٍ واعية، حول الاحتمالات التي تتعلَّق ببيئة الأعمال الصعبة أصلاً حتى قبل الحرب، التي تتعرَّض اليوم إلى صدمةٍ إضافية تؤثر على أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة (تحديداً أصحاب الباب الخامس المتفرغين لمشاريعهم من دون وظيفة حكومية وفق أنظمة التأمينات الاجتماعية) وهم بحدود 16 ألف مبادر، من خلال شبه توقفٍ أو تعثر عمليات الاستيراد التي يعتمد عليها أعمال أصحاب هذه المشروعات، بحيث تتم مراعاة أوضاعهم، وتقديم التسهيلات الوقائية التي تضمن استمرارهم في السوق وفقاً لمدى منفعتهم للاحتياجات الاقتصادية، خصوصاً من جانب نوع الخدمة (صحية- غذائية- تكنولوجية... الخ)، إلى جانب عدد العمالة الوطنية في كل مشروع يستحق الحصول على تسهيلات حكومية للاستمرارية.

خيار الاقتراض لتوفير السيولة من المؤسسات المستقلة هو الأكثر وجاهةً والأقل ضرراً

حزمة وتسهيلات 

صحيح أن بنك الكويت المركزي أعلن حزمة إجراءات تحفيزية للبنوك المحلية على صعيد التعليمات الرقابية وأدوات السياسة التحوطية، مثل: خفض معيار تغطية السيولة، ومعيار صافي التمويل المستقر، ونسبة السيولة الرقابية، إلى جانب رفع الحدود القصوى للفجوات التراكمية في نظام السيولة ورفع الحد الأقصى المتاح لمنح التمويل، لكن احتياجات أصحاب الباب الخامس أكبر من هذه الإجراءات المرتبطة بالتمويل.

ربما تحتاج هذه الفئة إلى تسهيلات بعضها اتُّخذ خلال فترة جائحة كورونا، كتأجيلٍ مؤقت للأقساط المستحقة لصندوق المشروعات الصغيرة، أو مضاعفة بدل دعم العمالة الوطنية، أو إعفاءات جُمركية من منافذ الاستيراد المحدودة، وغيرها من السياسات التيسيرية. 

ومبعث مراعاة المسجلين على الباب الخامس، أنهم يمارسون الأعمال التجارية الخاصة التي يصبُّ نجاحها في مصلحة الاقتصاد، بما يخفف على الدولة ضغوط العمل في القطاع الحكومي.
 

تعزيز المخزونات 

كذلك من المهم أخذ السياسات التحوطية تجاه تعزيز المخزون الغذائي والدوائي، خصوصاً مع المصاعب المترتبة على إغلاق مضيق هرمز، واعتماد الكويت على المنافذ البحرية فيما لا يقل عن 70 في المئة من استيرادها من البضائع، مما يتطلَّب العمل على جانبين، الأول: جودة إدارة المخزونات، في ظل فرضيات متعددة تميل إلى التشدُّد، والثاني: التوسع في عملية الإمداد البري أو الجوي، لتعويض الجزء الضروري من فاقد الإمداد البحري.

تحوط لا تشاؤم 

إن العمل على إدارة الاحتمالات المتعلقة بحالة عدم اليقين التي سبَّبتها الحرب الإقليمية ليس من قبيل التشاؤم أو النظرة السوداوية للأمور، لكن بغرض التحوط من السيناريوهات الأسوأ، وتقليل حِدَّة أي صدمةٍ اقتصاديةٍ مالية أو تجارية أو خدمية تعزز مستوى المرونة والاستجابة لتطورات وأحداث ليس لدينا القدرة على إحداث تغييرٍ جوهري فيها... وهي توازي في ضرورتها وأهميتها الإجراءات العسكرية أو الأمنية أو الصحية.

back to top