دراسة: المرأة في مجالس إدارات الشركات المدرجة

بين التمثيل والتمكين... شبه غياب نسائي عن القرارات في كبرى الشركات

نشر في 02-04-2026
آخر تحديث 01-04-2026 | 20:51
شيماء محمد بن حسين
شيماء محمد بن حسين

لم يعد تمثيل المرأة في مجالس إدارات الشركات مجرد بعد اجتماعي أو اعتبارات تتعلق بالمسؤولية المؤسسية، بل أصبح عنصراً استراتيجياً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتحسين الأداء المالي، وتعزيز الابتكار، وتقليل المخاطر، وتشير الدراسات والتوصيات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومؤسسة التمويل الدولية إلى أن التنوع في مجالس الإدارات يسهم في رفع جودة النقاشات الاستراتيجية وتوسيع نطاق الرؤى المطروحة.

وفي ضوء هذه الأهمية، يأتي هذه الدراسة لتسليط الضوء على مستوى مشاركة المرأة في مجالس إدارات الشركات المدرجة في بورصة الكويت، وتحليل تطورها، ومقارنتها بالممارسات الدولية، مع استشراف الفرص والتحديات المستقبلية.

تأتي هذه الدراسة استجابةً لندرة ملحوظة في المعلومات والبيانات المتاحة باللغة العربية حول دور المرأة في مجالس إدارات الشركات المدرجة بالسوق الكويتي، في ظل شُح الدراسات والتقارير الموجهة للقارئ العربي والمبنية على بيانات محلية موثّقة، ومن هذا المنطلق تهدف هذه الدراسة إلى قياس مدى مشاركة المرأة في مجالس إدارات الشركات المدرجة ببورصة الكويت للأوراق المالية، من خلال تحليل البيانات الرسمية المستخرجة بتاريخ 28 فبراير 2026، وذلك على مستوى السوقين والقطاعات وأنواع العضوية. وتسعى الدراسة إلى توفير مرجع باللغة العربية يسهم في سد الفراغ المعلوماتي، ويقدم صورة واضحة وموثقة عن واقع تمثيل المرأة في مواقع صنع القرار بالقطاع الخاص الكويتي.

بهذه الأرقام أصبحت معايير التنوع جزءاً لا يتجزأ من الحوكمة البيئية والاجتماعية التي تعتد بها الصناديق السيادية ومديرو الأصول العالميون. وعليه فإن الفجوة الحالية في تمثيل التنوع تشكل عائقاً هيكلياً أمام إدراج الشركات ضمن المحافظ الاستثمارية الدولية. هذا الوضع قد يحد من تدفقات رؤوس أموال طويلة الأجل.



وعلى الرغم من صرامة معايير الإدراج والحوكمة في السوق الأول، فإن الفجوة في تمثيل التنوع مقارنة بالسوق الرئيسي لا تزال 

محدودة، بما يعكس وجود جمود هيكلي يتجاوز الأطر التنظيمية إلى عمق الممارسات المؤسسية، فقد سجل السوق الأول نسبة%7.1 (22 عضواً من أصل 309)، مقابل%6.4 (40 عضوة من أصل 624) في السوق الرئيسي، وهو فارق هامشي لا يتناسب مع التباين 

المفترض في جودة الحوكمة ومتطلبات الإفصاح بين السوقين.

 

تفاصيل حسب نوع العضوية 

1 - رؤساء مجالس الإدارات - الأدنى حضوراً (%1.43)

من أصل 140 رئيسا لمجالس الإدارات في الشركات الـ140 المدرجة، لا تتولى المنصب سوى امرأتين (٪1.43) وتقتصر الرئيستان على قطاع العقار وحده، مما يبرز محدودية انتشار القيادة النسائية عبر القطاعات الأخرى. 

  2 - الأعضاء غير التنفيذيين - 42 امرأة (%7.2)

تمثل فئة الأعضاء غير التنفيذيين الشريحة الأكبر في المجالس، بواقع 42 امرأة من إجمالي 576 بنسبة%7.29، كما هو موضح بجدول (3)، بواقع السوق الأول لديه 197 عضواً غير تنفيذي منهم 12 امرأة، أي بنسبة%6.1، بينما السوق الرئيسي 379، منهم 30 امرأة بنسبة%7.9.

 3 - الأعضاء التنفيذيون - 3 نساء (%1.4)

تعد هذه الفئة الثانية بعد رؤساء المجلس الأقل تمثيلا للمرأة، من مجموع 94 عضواً تنفيذياً، لا تحضر المرأة إلا في 3 مقاعد، أي بنسبة٪3.19، وهذا المستوى المتدني يعكس العائق الهيكلي أمام وصول المرأة إلى المناصب التنفيذية داخل المجالس. 

ويتركز العضو التنفيذي في قطاع الصناعة في السوقين الأول والرئيسي بواحد لكل منهما، وفي مقابل 1 في الخدمات المالية بالسوق الأول.

 

3 - الأعضاء المستقلون -  18  امرأة (%6.98)

تسجل ثاني أعلى فئة من بعد غير التنفيذي، أي بواقع 18 امرأة مقابل 240 رجلاً، بإجمالي 258 عضواً مستقلاً. 

ونلاحظ عدد النساء في العضو المستقل بالسوق الأول 12 مقابل 118 رجلا في 38 شركة. 

بينما عدد النساء (عضو مستقل) في السوق الرئيسي 6 مقابل 122 رجلاً في 102 شركة. 

 

مشاركة المرأة حسب نوع القطاع

رصد التحليل القطاعي كما هو موضح في جدول 8 تبايناً لافتاً في توزيع الحضور النسائي، يتراوح بين قطاعات تُسجّل نسباً فوق المتوسط، وأخرى تخلو كلياً من أي تمثيل نسائي، ويمثل قطاع السلع الاستهلاكية الأعلى، حيث إجمالي المقاعد 14 عضوا، منها 3 لنساء بنسبة%21.43، يليه قطاع المنافع ولديه إجمالي مقاعد 9، واحد منها لسيدة بنسبة%11.11. 

وقد خلا قطاع الاتصالات والتكنولوجيا والمواد الأساسية من حضور نسائي، بالرغم من أن هذا القطاع دائماً يدعم المرأة ويمكنها من خلال مبادراته، فإن مجالس الإدارات خلت من أي حضور نسائي.

 المؤسسات الحكومية... والتمثيل النسائي 

المؤسسات الحكومية لها دور كبير أيضاً في التمثيل النسائي في ملكيات المؤسسات بالشركات المدرجة، ومن أكثر المؤسسات استثماراً بالسوق المحلي المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والهيئة العامة للاستثمار والهيئة العامة لشؤون القصر. 



ونلاحظ أن القطاع الحكومي يؤمن بأهمية دور المرأة ومشاركتها، فلديه تمثيل نسائي جيد في مجالس الإدارات كما هو موضح بجدول رقم 9، حيث بلغ العدد الإجمالي لممثلي المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية 13 في مختلف القطاعات، منهم 3 نساء بنسبة٪23.1، تليها الهيئة العامة للاستثمار بإجمالي ممثليها 18 منهم 4 نساء بنسبة٪22.2، وتأتي الهيئة العامة لشؤون القصر بتمثيل واحد فقط في السوق الأول في قطاع البنوك ويمثل٪100. 

المقارنة بعدد العضويات

تكشف البيانات عن تفاوت واضح في تعدد العضويات بين الجنسين، إذ يحمل عدد كبير من الرجال عضويات متزامنة في أكثر من شركة، تتراوح بين شركتين وصولاً إلى خمس شركات لنفس الشخص. في المقابل، لا تتجاوز النساء اللواتي يشغلن أكثر من عضوية واحدة اثنتين فقط: الشيخة أدانا ناصر صباح الأحمد، والدكتورة رنا الفارس، ولكلتيهما عضويتان في شركتين مختلفتين. وتُظهر هذه الأرقام أن تمثيل المرأة في مجالس الإدارات لا يزال محدوداً من حيث العدد والانتشار مقارنةً بالرجال. 

المقارنة الدولية والتموضع الاستثماري 

على الصعيد العالمي، تقود أسواق متقدمة، مثل النرويج وفرنسا، مستويات تمثيل تتجاوز%40، ما يعكس نضجا مؤسسيا متقدما وتكاملا عميقا مع معايير الحوكمة العالمية، إقليميا تظهر الكويت أداء يفوق المتوسط الخليجي البالغ%4، إلا أن هذا التفوق النسبي لايزال دون مستوى الكتلة الحرجة اللازمة لإحداث أثر نوعي في الحوكمة والأداء المؤسسي.

تقدير الفجوة الاستثمارية 

الوضع الراهن: 62 عضوة في مجالس الإدارات.

المستهدف الاستثماري (%30): 202 عضوة.

فجوة التنفيذ: إضافة 140 عضوة.

معدل النمو المطلوب: زيادة التمثيل بمقدار 3.2 أضعاف المستويات الحالية.

التوصيات الاستراتيجية: خارطة الطريق نحو العائد على التنوع

إن سد الفجوة البالغة%23.4 للوصول إلى العتبة الدولية (%30) هو مشروع استثماري وطني يهدف إلى تحرير طاقات إدارية معطلة. نوصي بالتالي:

المستوى الرقابي

تبني مبدأ الإفصاح أو التفسير وربط ترقيات السوق الأول بمستهدفات زمنية للتنوع، لضمان مواءمة البورصة مع مؤشرات السيولة العالمية.

المستوى المؤسسي

اعتماد مصفوفة مهارات ترتكز على الكفاءة النوعية والجدارة المهنية في التوظيف وتفعيل كوتة مرحلية للأعضاء المستقلين كمدخل سريع لتطعيم المجالس بكوادر مهنية متخصصة.

مستوى المساهمين

تفعيل المشاركة الاستراتيجية في الجمعيات العمومية للصناديق السيادية والمؤسسية، وربط المكافآت بمعايير الاستدامة الاجتماعية.

المستوى التنموي

لا يعد تعزيز التنوع الجندري أو الكوادر المهنية المتخصصة مجرد مبادرة معزولة، بل هو ركيزة أساسية في رؤية «كويت 2035» لتحويل البلاد إلى مركز مالي وتجاري جاذب للاستثمارات. يتطلب هذا المستوى الانتقال من الجهود الفردية إلى بنية تحتية وطنية للمواهب، وذلك عبر منصات الاستقطاب الذكية: إنشاء قاعدة بيانات وطنية مركزية تضم السير الذاتية الموثقة للكفاءات النسائية التي تتمتع بالخبرات الفنية والقانونية والمالية المطلوبة لمجالس الإدارات، مما يسهل على لجان الترشيحات المدرجة الوصول إلى هذه النخب المتخصصة وتقليص فجوة البحث.



حوكمة التدفق القيادي: الاستثمار في برامج وطنية متقدمة لتأهيل الصف الثاني والثالث من القياديات التنفيذيات، لضمان جودة تدفق مستدام من الكوادر الجاهزة لشغل المقاعد الشاغرة فور حدوثها، بدلاً من الاعتماد على الدوائر الضيقة في الاختيار.

الشراكة بين القطاعين العام والخاص: مواءمة مخرجات المؤسسات التعليمية والتدريبية مع احتياجات الحوكمة الحديثة، لضمان إمداد سوق المال بخبرات نسائية في مجالات متقدمة، مثل التحول الرقمي، الأمن السيبراني المالي، وإدارة المخاطر، مما يجعل التنوع أداة لرفع التنافسية الوطنية في مؤشرات التنمية العالمية.

* المديرة التنفيذية لشركة شي إنفست للاستشارات الاقتصادية والإدارية

back to top