وجهة نظر: مضيق هرمز والاقتصاد العالمي
بعد إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، في 3 مارس 2026 (الذي كانت تمر به قبل الإغلاق حوالي 20% من شحنات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، ونحو 93% من صادرات قطر، و96% من صادرات الإمارات من الغاز المسال)، انخفضت شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال، أهم صادرات بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية والعراق، لتصل إلى حوالي الصفر بسبب إعلان الحالة القاهرة.
ووفقاً لإحصاءات عام 2025، فإن هناك نحو 15 مليون برميل يومياً من النفط الخام، شاملاً المكثفات Condensates، كانت تمر عن طريق المضيق، أو ما يمثل 34.9% من تجارة النفط العالمية. وتمثل حصة السعودية الحصة الأكبر، 5.43 ملايين برميل يومياً، ثم العراق بـ 3.32، والإمارات، 2.02، ودولة الكويت، 1.4، وإيران، 1.69، وقطر، 0.73، والمنطقة المحايدة بين الكويت والسعودية، 0.35. (وتتوجه أغلب هذه الصادرات النفطية، 44% منها الى الصين والهند).
في حين أن هناك ما يعادل 5 ملايين برميل يوميا من المنتجات النفطية يُصدر عن نفس الطريق، ولنفس العام، أغلبها من الإمارات، 1.22 مليون برميل يوميا، ثم الكويت، 0.97، والسعودية، 0.80، وإيران، 0.72، وقطر، 0.69، والعراق، 0.31، والبحرين، 0.21.
وتتجسد أهم الإقاليم الاقتصادية المستوردة للنفط الخام، عبر المضيق، من دول مجلس التعاون في إقليم بقية دول آسيا، ثم الصين، والهند، يليها إقليم إفريقيا، وأوروبا، وأخيراً أميركا الشمالية. أما أهم الأقاليم الاقتصادية المستوردة للمنتجات البترولية، المصدَّرة من دول المجلس عن طريق المضيق، فتتجسد في الصين، الهند، وإفريقيا، وأوروبا، وأخيرا أميركا الشمالية.
والآن ما أهم الآثار الاقتصادية لإغلاق المضيق على الاقتصاد الدولي؟... لعل من أهم هذه الآثار الارتفاع المتوقع لمعدل التضخم العالمي، خصوصا على أسعار الأغذية. وبقدر تعلق الأمر بمعدل التضخم العالمي، وحسب تقديرات مديرة صندوق النقد الدولي، فإن ارتفاع أسعار النفط بمعدل 10%، ستيرتب عليه ارتفاع بمعدل التضخم العالمي بحوالي 4%. وتُعد الدول ذات القدرات المنخفضة بتخزين الغاز (والذي يجب أن يُخزن بحالة سائلة) من أكثر الدول تضرراً بفعل هذا المعدل، مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، والعديد من دول شرق آسيا، سواء على مستوى ارتفاع معدل التضخم، أو التأثير على معدل النمو الصناعي. مع شدّة التأثير على تلك الدول الأكثر مديونية في إقليم إفريفيا، والشرق الأوسط.
كما أن ارتفاع معدل التضخم الخاص بالغاز الطبيعي المسال سيؤثرعلى جهود إحلاله كمصدر رئيسي محل النفط الخام في توليد الطاقة، والتوجه أكثر للفحم. الأمر الذي سيؤدي الى المزيد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وصعوبة تحقيق أهداف الأمم المتحدة الخاصة بالتغيرات المناخية. بالإضافة الى أن التطورات السلبية في سوق الغاز الطبيعي المسال قد تُحفز الدول المستهلكة للغاز على ضخ المزيد من الاستثمار لمصلحة قطاعات الطاقة المتجددة المحلية، وتخزين البطاريات، وتدابير رفع كفاءة استخدام الطاقة.
بعبارة أخرى، فإن أزمة مضيق هرمز قد تساهم في تحفيز التغير الهيكلي، وتجعل الحكومات تنظر للطاقات المتجددة ليس باعتبارها حلا للتغيرات المناخية، بل كخيار للتكيّف Resilience مع الأزمات والصدمات الخارجية، مثل أزمة إغلاق مضيق هرمز. وحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية فإن الطاقة المتجددة يمكن أن توفر حوالي 26% من واردات الطاقة الأولية (النفط والغاز المسال)، و53% من الطاقة بحلول عام 2050.
أما فيما يتعلق بتأثير إغلاق المضيق على ارتفاع أسعار السلع الغذائية، فإن آلية هذا التأثير تتحقق، بشكل رئيسي، من خلال الارتفاع المحتمل في أسعار الأسمدة التي يمر ثلث إنتاجها العالمي عن طريق مضيق هرمز (مثل اليوريا، والبوتاس، والأمونيا، والفوسفات)، والمرتبطة بالنفط والمنتجات البتروكيماوية.
ووفقا لإحصاءات منظمة التجارة العالمية فإن شحنات الأسمدة من بلدان مجلس التعاون قد انهارت بعد إغلاق المضيق في الثالث من مارس. وعليه يتوقع الاقتصاديون أن ذلك سيؤدي الى التأثير سلبا على الإنتاج الزراعي العالمي لأن شهري مارس وأبريل يشكلان موسم الزراعة في نصف الكرة الأرضية الشمالي، وإن انخفاض إنتاج الأسمدة سيؤثر على الإنتاج الزراعي العالمي في الأشهر التالية بعد الشهرين المذكورين.
كما أن الإقفال التام للمضيق سيرفع أسعار القمح بحوالي 4%، والخضراوات بنحو 5.2%. ويتوقع أن تكون أكثر البلدان تضررا (على شكل ارتفاع بمعدل التضخم) هي زامبيا بارتفاع 31%، وسيريلانكا بارتفاع 15%، وتايوان بحوالي 12%، وباكستان بنجو 11%، حسب تقديرات معهد كيل Keil Institute الألماني. وتعتبر روسيا من أهم البلدان المستفيدة من ازمة المضيق الحالية لكونها تننتج حوالي خُمس الإنتاج العالمي من الأسمدة، من خلال قدرتها على زيادة طاقتها الإنتاجية من الأسمدة بسهولة.
أخيرا، وليس آخرا، فإن أزمة المضيق، في حال استمرارها وتأثيرها سلبا على ارتفاع أسعار الطاقة، ستؤثر سلبا على معدل النمو العالمي، ومعدل نمو التجارة السلعية العالمية. وبالإعتماد على آخر تقرير لإحصاءات التجارة العالمية لمنظمة التجارة العالمية الصادر في مارس 2026، فإن معدل النمو العالمي عام 2025 كان في حدود 2.9% ويتوقع انخفاضه الى 2.5% عام 2026، والى 2.8% عام 2027. في حين أن معدلات نمو التجارة السلعية (متوسط الصادرات والواردات) هي، تباعا، 3.1%، و1.4%، و2.4%.
ونظرا لشدة انفتاح اقتصادات أغلب الاقتصادات العربية، فإن الصدمة الاقتصادية، على شكل إغلاق مضيق هرمز ستؤثر على معدل نمو التجارة الخارجية، ومن ثم على معدلات النمو. وهو الأمر الذي لا بد أن يخلق حافزا للدول المعنية لتعميق إمكانياتها في المرونة والقدرة على امتصاص الصدمات من خلال البحث عن طرق بديلة للنقل البحري، والمزيد من الاستثمارات المرتبطة بتخزين النفط، والغاز المسال، في مناطق آمنة. وهي خيارات قابلة للتنفيذ في ظل ما تتميز به بلدان مجلس التعاون من قدرات متطورة في مجال التكيّف والمرونة لاستيعاب الآثار السلبية للصدمات الخارجية.