وجهة نظر: التعثر المالي وتفاقم المسؤولية
• متى يتحول التعثر إلى خطر قانوني؟!
التعثر المالي مرحلة يمكن أن تمر بها أكبر الشركات، وهو ليس عيباً، ولا يعني الإفلاس، إنما هو مشكلة سيولة يمكن علاجها، ولا يعني توقف النشاط التجاري، فيما الإفلاس توقف فعلي عن الدفع مع تدخل قانوني شامل.
وقد نظَّم قانون الإفلاس هذا الفرق بشكلٍ واضح، وأتاح أدوات قانونية تهدف إلى إنقاذ الشركات. والواقع أن الدائنين حريصون على استرداد أموالهم، وليس إفلاس مدينيهم، لذلك فإن التفاوض يمكن أن يكون حلاً قبل تفاقم الأزمة، كطلب إعادة الجدولة، أو فترة سماح، أو تخفيض الفوائد. والقانون وفَّر أدوات مهمة، مثل: إعادة التنظيم المالي، والتسوية الوقائية، ووقف المطالبات مؤقتاً. هذه الأدوات إدارة قانونية ذكية للأزمة تتيح فرصة إعادة ترتيب الديون دون فقدان السيطرة على الشركة، وهذه أدوات قوية وتحت إشراف قضائي.
في الحقيقة، لا تكمن الخطورة في التعثر بحد ذاته، بل في التصرف القانوني الخاطئ أثناء التعثر، فالقانون لا يعاقب على الخسارة أو التعثر، لكنه قد يرتب مسؤولية على سوء الإدارة، مثل: اتخاذ قرارات قد تضر بالدائنين، أو إخفاء الوضع المالي الحقيقي، أو نقل أصول الشركة إلى أسماء وهمية تهرباً من الدائنين، أو تفضيل دائن على آخر، إذ إن مثل هذه التصرفات تُبطل قانوناً، وقد ترتب مسؤولية جزائية. كما أن استمرار الشركة في التعاقد، رغم العلم بعدم القدرة على السداد وكذلك عدم وجود حسابات واضحة ومستندات مالية، يدخل في نطاق الغش التجاري أو المسؤولية التقصيرية، وعلى الدائن عند التعثر طلب الحماية القانونية في الوقت المناسب، ذلك أن القانون أوجب على التاجر أو الشركة عند التوقف عن الدفع المبادرة إلى طلب التسوية أو إعادة التنظيم، والتأخير غير المبرر قد يُعد قرينة على سوء الإدارة، أو سوء النية. إن طلب إعادة الهيكلة وافتتاح الإجراءات يوقف الدعاوى، ويعلِّق إجراءات التنفيذ، ويمنع الحجز.
إن عدم الحرص على اتخاذ الإجراءات اللازمة عند حدوث أزمة مالية قد يُعرِّض المسؤول عن الإدارة للمساءلة، ويتحمَّل ديون الشركة، إذ يمكن أن يعتبر ذلك سوء إدارة، أو إهمالاً جسيماً يضر بالدائنين، أو كما سبق الإشارة، تفضيل بعض الدائنين، أو غياب الدفاتر وضعفها، أو خلط الذمة المالية للشركة مع ذمة المدير المالية، وسحب الأموال، والتبديد غير المبرر، وإخفاء وتهريب الأصول. وكلما كان التصرف يظهر منه سوء النية أو الإضرار بالدائنين أدى إلى المسؤولية الشخصية المدنية أو الجزائية.
عند الدخول في مرحلة التعثر، التصرف القانوني الصحيح هو التوقف عن القرارات الفردية غير المبررة، وتقييم الوضع من الناحية القانونية، والدخول في الإجراءات التي نظَّمها القانون.
إن التعثر بذاته ليس جريمة، لكن إدارته بشكلٍ خاطئ قد تكون كذلك. والفهم القانوني الصحيح عند التعثر يحمي من تحمُّل ديون الشركة شخصياً. وقد أكدت مبادئ محكمة التمييز أن الحماية القانونية للشركة ليست مطلقة، فالشخصية الاعتبارية للشركة لا تمنع مساءلة المدير عن خطئه الشخصي أو سوء الإدارة، وقد تتحول ديون الشركة إلى ديون شخصية للمدير، فكلما اقترب التصرف من الإضرار بالدائنين اقتربت المسؤولية الشخصية.