ثبات يعيد رسم المعادلة
منذ اندلاع المواجهة بين إيران والثنائي الأميركي- الإسرائيلي، وجدت دول الخليج نفسها في قلب الخطر، مع امتداد الهجمات إلى بنيتها التحتية ومجالاتها السيادية بوتيرةٍ لافتة. وبالتوازي، تحوَّل مضيق هرمز إلى نقطة ضغطٍ حادة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الطاقة، مما رفع كُلفة التأمين والشحن إلى مستويات مقلقة.
غير أن العنصر الحاسم في هذا المشهد لم يتمثل في مستوى التصعيد بحد ذاته، على خطورته، بقدر ما تجلَّى في الكيفية التي تعاملت بها دول الخليج معه، حيث أظهرت صموداً أمام محاولات استدراجها للانخراط المباشر في الحرب، معبِّرة، في إطار القانون الدولي، عن موقفٍ حازم إزاء الاعتداءات التي استهدفت المدنيين، وألحقت أضراراً بالأرواح والممتلكات.
فقد أدركت القيادات الخليجية، منذ البداية، أن أخطر ما قد تُفضي إليه هذه التطورات، هو جر المنطقة إلى مواجهةٍ مفتوحة تجعل أمنها واقتصادها رهينة منطق التصعيد. لذلك اعتمدت مقاربة متوازنة تقوم على حماية الداخل، وتثبيت الموقفين السياسي والقانوني، وتفعيل الضغط الدولي لردع الاعتداءات، مع تجنُّب التحوُّل إلى طرفٍ قتاليٍ مباشر في نزاعٍ مرشح للاستنزاف.
وقد أسفر هذا النهج عن ثلاثة مفاعيل رئيسية واضحة، أولها: الحيلولة دون انزلاق الإقليم إلى انهيار شامل، إذ إن انخراط دول الخليج مباشرةً في الحرب كان من شأنه توسيع رقعة المواجهة، لتشمل منشآت الطاقة والموانئ والمطارات والمراكز الحضرية، بوتيرةٍ تفوق بكثير ما تشهده الساحة حالياً. وثانيها: الحفاظ على قدرٍ مُعتبر من التماسُك داخل مجلس التعاون، في ظرفٍ دقيق قد تتباين فيه المقاربات بين ميلٍ إلى الحسم، أو تفضيل الاحتواء. وثالثها: تثبيت موقع الخليج كفاعلٍ سياسي مؤثر، لا كطرفٍ متلقٍ للأحداث، بحيث بات حضوره جزءاً من النقاش الدولي حول مآلات الحرب، لا مجرَّد انتظار لنتائجها.
اقتصادياً، تبدو قيمة هذا الثبات أكبر. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، وقد أدت الحرب بالفعل إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط، وقفزات في كُلفة التأمين والشحن، وإشارات سوقية إلى احتمال بلوغ الأسعار مستويات أعلى إذا استمر تعطيل الملاحة أو اتسعت الضربات. كما انعكست الأزمة على التمويل والأسواق الناشئة وسلاسل التوريد. وفي مثل هذا السياق، فإن امتناع الخليج عن الانجرار إلى حرب مفتوحة أسهم، ولو نسبياً، في الحد من ذعر الأسواق، وفي الحفاظ على صورة المنطقة كمركزٍ يمكنه إدارة الأزمة، لا مجرَّد الانفجار بها.
أما على صعيد الآثار المستقبلية، فيُرجّح أن يرسِّخ هذا النهج توجهاً خليجياً أكثر عُمقاً نحو ثلاث أولويات استراتيجية، تتمثل الأولى في تعزيز كفاءة منظومات الردع الدفاعي، بما يكفل حماية المنشآت الحيوية، ورفع جاهزية الاستجابة للمخاطر. والثانية في تنويع مسارات التصدير والإمداد، بما يحد من الاعتماد على نقاط عبور حرجة قد تتحوَّل إلى بؤر اختناق. أما الثالثة، فتتصل بإعادة تقييم العلاقات والشراكات مع الحلفاء والأصدقاء، على نحوٍ يضمن مواءمة أوثق بين المصالح الأمنية والاقتصادية، ويعزز القدرة على التعامل مع الأزمات بقدرٍ أعلى من الاستقلالية والفاعلية.