بصائر الحكمة 2 (التوحيد)

نشر في 29-03-2026
آخر تحديث 28-03-2026 | 18:18
 حسين عبدالله

ليست الحكمة فكرة تُفهم، إنما طريق يُسلك. وقد رأينا كيف تبدأ من التفكّر وتُثمر باليقين، ثم ترتقي إلى محبةٍ تقرّب العبد من ربّه حتى يُمنح نور الحكمة.

لكن السؤال الأهم: كيف تُترجم هذه الحكمة في حياة الإنسان؟

هنا تأتي وصايا لقمان لابنه لا ككلمات عابرة، بل كمنهج يُبنى عليه القلب ويُضبط به السلوك، ولهذا، لا تُقرأ سورة لقمان قصة عابرة، بل أحد أعظم النماذج في تربية الأبناء، فهي لا تقدّم نصائح مؤقتة، بل تُرسّخ في الإنسان ميزاناً يُبصر به الحق ويثبت عليه.

 لم يبدأ لقمان بتفاصيل كثيرة، بل بدأ بالأصل... بالعلاقة مع الله، لأنها الميزان الذي تستقيم به بقية الأمور: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾

بهذه الوصية تتحدد الوجهة، فإذا صحّت استقام ما بعدها، وإذا اختلّت اختلّ كل شيء، وإن بدا في ظاهره حسناً، فالحكمة لا تبدأ من السلوك، بل من العقيدة التي ينبني عليها السلوك.

وللأسف تُفهم كلمة «لَا تُشْرِكْ» غالباً على أنها عبادة الأصنام فقط، مع أن الشّرك أوسع من ذلك ولايزال حاضراً بصور مختلفة.

فالشرك أن يُجعل مع الله شريك في الطاعة أو التوجّه، قد يكون طاغوتاً يُعبد أو يُتّبع ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا ﴾، أو هوى نفس يُقدَّم على الحق ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾. وهذا من أخطر ما يكون، لأنه لا يظهر دائماً بوضوح، بل يتسلّل إلى القرار حتى يُتّخذ دون إدراك.

ولهذا جاءت الوصية التالية مباشرة: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا... وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾

فحتى في أشد مواضع الاختلاف حين يُطلب منك ما يخالف التوحيد، لا تكون القطيعة هي الحل، بل يُرفض الخطأ وتبقى الأخلاق.

« فَلَا تُطِعْهُمَا » في الباطل، «وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا» في المعاملة. وهنا يظهر ميزان دقيق: ثبات في المبدأ، ولين في السلوك.

وهذا من أعلى صور الحكمة، ألا يتنازل الإنسان عن الحق ولا يتنازل في الوقت نفسه عن خُلقه. وقد جسّد هذا المعنى سيدنا إبراهيم عليه السلام، ثبت على التوحيد ولم يقطع الدعاء، وبقي في خط الدعوة بالحكمة والرفق.

ثم يختم التوجيه بقوله: ﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي لا تكتفِ بالرفض، بل ابحث عن الطريق الصحيح، والزم من دلّك عليه بصدق.

وهنا دقّة لطيفة في الآية، إذ ينتقل الخطاب من وصية لقمان إلى تذكيرٍ مباشر من الله سبحانه: « ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ » ليربط السلوك بالمصير والعمل بالجزاء.

فليست القضية اختيار طريق فقط، إنما وعي بأن كل عمل محفوظ، وأن الرجوع إلى الله كاشفٌ لما كان خفياً.

ومن هنا يتجاوز المعنى لمجرد توجيه، ليصبح دعوة إلى عمل واع يقوم على صدق النية، لأن الإنسان لم يُخلق عبثاً، بل ليعرف، ويهتدي، ويعمل.

وسنكمل في المقال القادم بقية وصايا لقمان الحكيم.

back to top