افتتاحية: لا لإبرام اتفاقيات دون دول الخليج
في ظل ظروف شديدة الحساسية تشهدها المنطقة والعالم كله، وبين دولة صديقة لطالما أكدت حماية أمن الخليج واستقراره، وجارة مسلمة عزفت مراراً وتكراراً على أوتار نغمة الأخوة وحسن الجوار ووعدت بعدم التدخل في شؤون جاراتها، استيقظت دول الخليج العربية لتجد نفسها تدفع الثمن الأكبر، بل باتت ساحة للمعركة التي تصاعدت حرباً طاحنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وجدت الكويت، ومعها شقيقاتها الخليجيات، نفسها في قلب عاصفة النيران، بحكم الجغرافيا أولاً، ثم بحكم تشابك المصالح الدولية على أرضها من منشآت طاقة، وخطوط ملاحة، واستثمارات ثانياً، ليغدو استقرارها المجتمعي عرضة للاهتزاز كلما تصاعد التوتر أو تبادل الطرفان رسائل النار، ومع ذلك، حافظت دول مجلس التعاون على أعلى درجات ضبط النفس ونأت بنفسها عن أن تكون طرفاً أو متحيزاً في هذه المعركة رغم ما أصاب منشآتها ومرافقها من اعتداء إيراني آثم، ورغم ما نال أهلها الآمنين من ترويع، وهو ما نجم عنه أن تكون شريكة في دفع الثمن الباهظ دون أن تكون شريكة في الإثم نفسه.
واليوم وفي ظل ما يعانيه العالم كله من تداعيات هذه الحرب، ولاسيما دول الخليج، جراء العدوان الإيراني على منشآتها الحيوية، تبدو في الأفق ملامح لعقد مفاوضات لوقف النار وعقد اتفاق سلام لتجنيب المنطقة والعالم مزيداً من الدمار والاستنزاف.
تلك الدول الخليجية الآمنة التي دفعت - من نفطها ومرافقها وأمنها واستقرارها وترويع أهلها - فاتورة حرب لم تكن طرفاً فيها، لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تَغيب أو تُغيب عن طاولة المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، فمن يتحمل مرارة المشكلة يجب أن يكون حاضراً في صياغة الحل.
إن دول الخليج ليست مجرد هامش جغرافي للنزاع، بل هي طرف متأثر مباشر، وأمنها جزء لا يتجزأ من أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق الدولية، فكيف يعقل أن تُرسم خرائط الاتفاقيات أو تعقد التفاهمات الأمنية دون أن تكون هذه الدول شريكة في ضماناتها وبنودها وآليات مراقبتها؟!
وهنا نضم صوتنا إلى الأصوات الخليجية المطالبة بأن أي اتفاق جديد لا يجب أن يقتصر على المفاوضات النووية، بل يجب أن يمتد ليشمل كل ما يتعلق بنهج إيران تجاه جوارها من دول مجلس التعاون، وأن يكون لدولنا دور كبير ورئيسي في صياغة الاتفاقيات المزمعة بحيث تشمل ضمانات موثقة ومطالب أمنية خليجية تلبيها بنودها.
لقد عانت المنطقة بما يكفي من حروب، ومن رسائل متبادلة تُكتب بوقود الصواريخ لا بالمداد الدبلوماسي، ومن ثم فإن تلك اللحظة الراهنة الفارقة تقتضي إعادة تعريف مفهوم «الطرف المعني»، بحيث لا يقتصر على من يطلق النار، بل يشمل كل من يتلقى شظاياها، وعلى ذلك فضمانات عدم الإضرار بدول الخليج من الطرفين المتحاربين ليست ترفاً تفاوضياً، بل شرط ضروري لأي تسوية مستدامة، مع ضرورة أن يكون الأمن جماعياً كما كان الخطر جماعياً، وكنا أول من يتحمل العواقب.