عندما يكون سلاحنا بأيدٍ وطنية
كما نعلم وتعلمون أن القوة الحقيقية لأي دولة في عصرنا الراهن تعتمد على امتلاك «مفاتيح» سلاحها بيديها، فالاكتفاء بشراء المعدات العسكرية الجاهزة من الخارج يضعنا دائماً تحت رحمة الجهات المصنِّعة لها وشروطها المتقلبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأنظمة التكنولوجية الدفاعية الحساسة، التي تتطلب تدخلاً فنياً مستمراً في وقت الأزمات.
إنَّ هذا الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد من دون السعي لتقليل النسبة يستنزف مئات الملايين من الدنانير سنوياً تذهب إلى عقود صيانة خارجية أو استشارات خاصة.
وفي ظل الظروف الإقليمية المتوترة، والتهديدات التي نراها إبان الحرب الأميركية- الإيرانية، والاعتداءات الإيرانية على وطننا الكويت، لم يعد «توطين» هذه الصناعة العسكرية مجرَّد خيارٍ اقتصادي أو ترفٍ فكري، بل أصبح ضرورة أمنية مُلحَّة لضمان أن يكون الدفاع عن الكويت بقرارٍ سريع داخلي ومنشأ كويتي خالص لا يرتهن إلى تقلبات سلاسل التوريد العالمية أو الحسابات السياسية الدولية المعقدة.
ويجب التنويه إلى أن مفهوم «توطين الصناعة العسكرية الكويتية» لا يعني بالضرورة القفز مباشرةً نحو بناء صواريخ باليستية معقدة أو طائرات مقاتلة من الصفر، بل هو مسارٌ استراتيجي يبدأ بامتلاك «السيادة التقنية» على التكنولوجيا العسكرية بالكامل، وتكون هذه الآلات وصيانتها بأيدٍ وطنية مدرَّبة تمتلك الخبرة الكافية للتعامل مع أي طارئٍ ميداني، وهذا واضح في كفاءة الفرد الكويتي، كما رأيناه أمام أعيننا، لكن نحن بحاجة ماسَّة لزيادة مستوى الفاعلية لأن تكون كوادرنا الوطنية قادرة على إدارة منظومات الدفاع الجوي المتقدمة بشكلٍ أكثر كفاءة، ولحماية آبار النفط والمنشآت الاقتصادية الكبرى والمطارات من أي اختراقٍ مباشر أو سيبراني قد يشل الحركة الحيوية للدولة.
فهذا التوجه الاستراتيجي نحو صناعات دفاعية «ذكية» ومركزة، مثل: تطوير طائرات الاستطلاع الصغيرة، وتجهيز آليات الجيش بمعدات اتصال وتشفير كويتية، سيؤدي إلى تحويل الإنفاق العسكري من مجرَّد «مصاريف» تُثقل كاهل الميزانية العامة إلى «استثمار» وطني ضخم يضخ الدماء في عصب الاقتصاد المحلي، وهذا الاستثمار سيوفر آلاف الوظائف الفنية النوعية للشباب الكويتيين في تخصصات الهندسة والبرمجة والذكاء الاصطناعي التي تدعو إليها الدولة عبر جهازها التعليمي- المتمثل بوزارة التعليم العالي، ويخلق بيئة صناعية متكاملة تشمل المصانع الصغيرة والمتوسطة التي تخدم القطاع الدفاعي الكويتي.
إنَّ السيادة الحقيقية يا أصدقائي في القرن الحادي والعشرين تعني أن نكون نحن أسياد «التكنولوجيا» التي تحمي سماءنا وأرضنا، مما يضمن لنا استقراراً أمنياً طويلاً واستقلالاً كاملاً في اتخاذ القرار في اللحظات الحاسمة.