تأثير الأصل الحضاري الأول لتجمع واتحاد مجلس التعاون
الكيانات الحضارية هي امتداد بشري فيما نرى انعكاسه اليوم على أوطاننا، فاليمن ودول الخليج يمثلان كيان العمق الظاهر في التكوين الديموغرافي نحو سكان وتاريخ وثقافة شبه الجزيرة العربية، فهما جناحا الحضارة اللذان جعلا من تاريخ العرب في وجودهم ذلك التناغم، وذلك فيما بينهما، واللذان يقتصران في النشأة الجغرافية الحضارية الأولى ما بين مدينة مأرب عاصمة سبأ وما بين ظهور مكة المكرمة على السطح الجغرافي من خلال قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام وزوجته هاجر الشهيرة التي هي تعتبر الأساس في نشأة مكة، والتي من بعدها ازدهرت باقي القرى في أرجاء الجزيرة العربية.
فهذان كيانان مختلفان، وفي الوقت ذاته هما قريبان من بعضهما، لكونهما يمثلان الواجهة الحضارية لجزيرة العرب كوصفهم بحسب ذلك المفهوم على نحو عرب الجنوب وعرب الشمال، فيترجم ذلك نحو الحكم والسيطرة والاستيطان، حيث يتصف الكيان اليمني بأنه يحمل في طياته تاريخاً لدول وحضارات عربية قامت على أرجائها مثل: سبأ ومعين وقتبان وأوسان وحضرموت وحمير. وأما ما تبقى من جغرافيا جزيرة العرب، والمتمثل بوجود قرى وقبائل لها استقلالية في إدارة شؤونها الخاصة، لذلك نجد الموضوع هنا قد صُبغ بصبغة دينية، فيقوم هذا الجزء الجغرافي الواسع بحجمه، وذلك في انتشاره ما بين القرى وعموم القبائل العربية التي تحكمها في ذلك العهد، حيث جاءت أشهرها تعظيماً مكة المكرمة التي وصفها الله، عزوجل، في كتابه بأم القرى. ككيان حضاري عظيم أشبه ما يكون بموقع العاصمة القديمة للجغرافيا الأخرى، فقد ابتدأ هذان الكيانان بمكة واليمن وصولاً بنا إلى نشأة الدول الحديثة، والذي تحول إلى كياني دول الخليج واليمن.
وهنا نجد ملاحظة في غاية الأهمية، وهي أن سلطنة عمان عبر تاريخها قد جاءت مميزة كخليط ثقافي جميل ما بين هذين الكيانين. لذلك نجد صريح القرآن في بيانه نحو رحلة الشتاء والصيف والتي تتخذ من مكة منطلقاً متجهة نحو صنعاء وعدن وهي رحلة الشتاء لجلب ما يحتاج إليه سوق مكة الذي كان يعتمد عليه جميع أسواق العرب في وقتها، أما رحلة الصيف فهي تلك الرحلة الموجهة إلى الشام والتي تتخذ من دمشق وبصرى وغزة ملاذاً للتزود السلعي فيما تحتاج إليه مكة المكرمة في ذلك الوقت.
فنجد مكة منتصفة جغرافياً ما بين هاتين الرحلتين مما يفسره استقلالها نحو كيان منفصل، والذي بحد ذاته يمثل ثقافة وظروفاً مختلفة فيما بينها وبين اليمن، ولهذا نجد التركيز في تدوين التاريخ كان منصباً على الجهة الغربية (إقليم الحجاز) من شبه الجزيرة، وذلك لوجود الكيان الحضاري هناك وهو البيت العتيق وسوق عكاظ، بالإضافة إلى وجود سادات العرب آنذاك قبيلة قريش حكام مكة.
وليس معنى ذلك أن الجهة الشرقية لا يوجد فيها بشر ونشاط، بل بالعكس فإن هذه المنطقة تأتي منطلق حضارتها نحو الأرض السواحل الواقعة في محتوى هذا الخليج العربي المهم، حيث جاءت عدة مصادر تشير إلى وجود مهنة الغوص على اللؤلؤ في عهد ما قبل الاسلام.
وما نعيشه اليوم في اجتماع دول مجلس التعاون الخليجي ليس أمراً قد جاء بالمصادفة ولم يكن أيضاً بالأمر المحدث فهو امتداد لتلك الأيديولوجية القديمة نحو وجود هذين الكيانين: القحطانيون باليمن، والكيان الثاني الذي تأتي على رأسه مكة المكرمة (أم القرى) وما حولها والمتمثل بالعدنانيين. لذلك فإن سر التساؤل نحو تمسك واعتزاز أبناء الخليج العربي بوحدتهم وشعورهم أنهم كيان واحد هو ذلك الذي جاء امتداداً لذلك الإرث الحضاري العريق والمنتقل إلينا من تاريخ مكة العريق الذي أثر على سائر قرى وبقاع الجزيرة العربية، والمؤثر حتماً نحو امتداده في تأسيس ونشأة دولنا الحديثة.