رياح وأوتاد: نقاش عن ولاية الفقيه
بعد قيام الثورة في إيران عام 1979 طلب مني بعض الإخوة كتابة مقال عن فكر الخميني حيث كنت أكتب وقتها في صحيفة الوطن.
وفور قراءتي لكتاب الحكومة الإسلامية للخميني تعرفت على نظريته المسماة ولاية الفقيه أي ولاية الفقيه كنائب عن الإمام المنتظر، وشمول هذه الولاية الأمة الإسلامية بأسرها، كما اطلعت على هجومه على بعض دول الخلافة السابقة، بينما أثنى على «الخواجة نصير الدين الطوسي»، الذي فتح أسوار بغداد للمغول.
وعلى الفور تبينت لي خطورة هذه النظرية، وأنها ستؤدي إلى خلافات وصراعات بين المسلمين، فكتبت مقالة ومذكرة مطولة نقلت فيها بعض كلام الخميني في كتابه، وحذرت ونبهت فيها من خطأ التسرع في تأييد الثورة الخمينية كما فعلت جماعة الإخوان المسلمين، التي أرسلت الوفود إلى طهران للمباركة والتأييد. ولكن للأسف لم يُنشر المقال بسبب الزخم المؤيد للثورة، والذي كان مسيطراً على الإعلام العربي والإسلامي في ذلك الوقت، واكتفيت بتوزيع المذكرة على كثير من الإخوة والأصدقاء.
وبعدها بشهور زار الكويت الشيخ المعروف محمد الغزالي من مصر الذي كان مؤيداً لهذه الثورة، فقمت مع بعض الإخوة بدعوته في ديوانيتي في بيت الأسرة بالمنصورية، حيث استغرق النقاش معه فترة طويلة أطلعناه فيها على ما كتبه الخميني وقوله بولاية الفقيه وسلّمنا إليه نسخة من المذكرة التي أعددتها، وحضر اللقاء الإخوة جاسم العون وطارق العيسى والعم عبدالله الخالد الزامل - رحمه الله- وآخرون لا أتذكرهم الآن، لكنه - رحمه الله- لم يقتنع بل وردّ علينا بغضب.
وبعد ذلك بدأت إيران- كما توقعنا- بالتهديد وبتصدير هذه الثورة وتلك النظرية، وعانت دول المنطقة العربية بأسرها ويلات التدخل في شؤونها الداخلية، وأخطرها المذابح التي وقعت في سورية.
وبعد نصف قرن تقريباً خرج الشيخ القرضاوي، وهو من أبرز شيوخ الإخوان المسلمين المعاصرين، برسالة فيديو إلى جميع المسلمين يتراجع فيها عن فهمه الخاطئ للثورة والتحركات الإيرانية، ويعتذر- رحمه الله- لكل مَن خالفهم الرأي ولم يستمع لنصحهم في هذا الموضوع، وقال إنهم كانوا أفضل منه علماً. ولكن، وللأسف، كم من الضحايا ذهبوا نتيجة هذا الخطأ!
ما كتبته في تلك المذكرة لم يكن زود شطارة ولا رجماً بالغيب، ولكنه كان نتيجة طبيعية للتدقيق في كتب الخميني ومقارنتها بما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة والتراث الإسلامي الصحيح والاجتهادات المعتبرة، في حين لم يكترث بعض السياسيين بالعودة إلى هذه الأصول فوقعوا في الفتنة والخطأ، وراحوا يكيلون التأييد ثم يتراجعون عنه، وللأسف مازال هناك مَن هو مستمر في الخطأ حتى هذه اللحظة.
ترى كم من الأحداث حولنا اليوم نحتاج فيها إلى العودة إلى المنهج الإسلامي السليم!