تقرير اقتصادي: توترات «هرمز»... تتخطى النفط والتجارة إلى أمن العالم الغذائي والصحي

• دول الخليج مصدرة لمنتجات بتروكيماوية وأسمدة ضرورية لاستدامة للحياة
• اختلال توريد مواد مثل اليوريا والهيليوم والإيثيلين يعقد سلاسل إمداد لا تحتمل التأخير
• الحرب قلصت فرص ترويج أي فكرة إيجابية لمستقبل الإقليم الخليجي واستدامته

نشر في 26-03-2026
آخر تحديث 25-03-2026 | 19:49
محمد البغلي
محمد البغلي

 

يركز الاقتصاديون هذه الأيام جلّ اهتماماتهم على مضيق هرمز وتداعيات التهديدات الإيرانية بإغلاقه على الاقتصادات العالمية باعتباره شرياناً أساسياً في توريد منتجات الطاقة، إذ كان يمر من خلاله - قبل الحرب الإقليمية الحالية - 20 في المئة من احتياجات العالم من النفط والغاز.

غير أن آثار التوتر في مضيق هرمز أعمق بكثير من حتى إمدادات الطاقة الخليجية التي تعرّض جزء كبير منها لوضعية «القوة القاهرة» مما يعني توقفها عن الالتزام بتعاقداتها في الإنتاج والتصدير، وما يترتب على ذلك من ارتفاعات لأسعار النفط والغاز عالمياً، بالتالي تعزيز مخاوف التضخم ومخاطر تباطؤ النمو الاقتصادي في المنطقة الخليجية والعالم.

صناعات عديدة كالسيارات ومستلزمات التكنولوجيا إلى المنظفات تعتمد على صادرات البتروكيماويات الخليجية 

مخاوف أعمق 

فالمخاوف اليوم تتعمق إلى سلاسل الإمدادات في قطاعات ذات صلة بمنتجات الدول الخليجية المكررة من النفط والغاز، لا سيما المشتقات البتروكيماوية والأسمدة.

ويشير العديد من البيانات إلى أن مضيق هرمز يمرر للعالم 22 في المئة من تجارة اليوريا التي تعتمد عليها عمليات الزراعة والغذاء و24 في المئة من الألمنيوم الذي يعد عنصراً أساسياً في صناعات النقل كالطائرات والسيارات وثلث إنتاج مادة الهيليوم الأساسية للتنقنيات الطبية والتكنولوجيا خصوصاً لتشغيل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) وصناعة أشباه الموصلات والألياف الضوئية وربع احتياجات العالم من الأمونيا الذي يستخدم بالتبريد والأصباغ وحوالي 40 في المئة من الكبريت، الذي تتعدد استخداماته من الزراعة إلى الأدوية إلى البطاريات والمنظفات وغيرها.

كما أن دول مجلس التعاون الخليجي توفر للعالم منتجات ‏بتروكيماوية بما يمثل 15 في المئة من تجارة البتروكيماويات عالمياً، لا سيما الإيثيلين الذي تتنوع استخدامته من البلاستيك إلى الملابس والمنسوجات والميثانول المستخدم لصيانة الطائرات والمستحضرات الطبية.

ما يجب أن تعمل عليه دول مجلس التعاون هو التحول لكيان اقتصادي في منظومة أولوياتها بالاقتصاد والتنمية والاستثمار

تعثر وتكاليف 

واللافت هنا أن دول الخليج لا تزرع منتجات غذائية أساسية ومهمة كالقمح والذرة والأرز، لكنها تساهم في زراعته حتى خارج أراضيها خصوصاً في أوروبا وآسيا من خلال صادراتها من البتروكيماويات والأسمدة ويعني تعثر إمدادات ضرورية للأطعمة الرئيسية امتداد آثارها إلى ارتفاع تكلفة علف الحيوانات ومن ثم ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء بالتالي نمو تكاليف الغذاء عالمياً ينعكس اختلالاً في سلاسل توريد الغذاء ويتأثر به سلباً المنتجون والمستهلكون ناهيك عن الدول الأشد فقراً.

وذكر بنك «غولدمان ساكس» أن الأسمدة النيتروجينية اللازمة للزراعة ارتفعت أسعارها%40 منذ بدء الصراع. 

كما أن تعثر إنتاج وتصدير المواد البتروكيماوية ومشتقاتها ذو أثر سلبي على الصناعات الدوائية والمنتجات الطبية، لا سيما في آسيا وأوروبا بشكل قد يؤدي إلى ارتفاع في أسعار منتجات الصحة وتباطؤ تلبية الاحتياجات الدوائية لا سيما للأمراض المزمنة كالسرطان والسكري وغيرهما.

الحرب مع قرب إتمامها الشهر الأول تنذر بحرمان العالم من احتياجاته الأساسية

حساسية عالية 

ومن المفيد الإشارة إلى أن منتجات الغذاء والصحة من المنتجات ذات الحساسية العالية أي التي يحتاجها المستهلكون في العالم على الدوام وأي تباطؤ في سلاسل إمدادها أو تعثّر في إنتاجها أو استيرادها هو يمثل للعالم أجمع مشكلة تهدد حياة البشر وهي منتجات أساسية تتجاوز في أهميتها حتى صناعات أخرى مهمة سوف تتأثر بالتوترات في مضيق هرمز التي تعرقل حركة التجارة والإمدادات فيه كصناعة السيارات أو البلاستيك أو الملابس والعديد من الصناعات غيرها.

ثمّة الكثير مما يمكن الإشارة إليه بشأن التأثر السلبي للعديد من الصناعات والمنتجات في العالم مع تحوّل مضيق هرمز إلى نقطة اختناق بحرية شديدة الخطورة لكن ما يهمنا اليوم في دول مجلس التعاون الخليجي أن نتجاوز الآثار السلبية من هذه الحرب الإقليمية التي تتضح الصورة شيئاً فشيئاً مع قرب إتمامها الشهرالأول أن آثارها تتجاوز تهديد أمن الإقليم الخليجي واقتصاده إلى حرمان العالم حتى من احتياجاته الأساسية.

فرضية وواقع 

لو كانت الأوضاع في المنطقة طبيعية فكان من المفترض على الأقل التفكير ليس في إعادة فتحه بقوة عسكرية أو ضغوط سياسية إنما بالمصالح الاقتصادية بحيث يصبح مضيق هرمز بوابة لتجارة دولية ضخمة مع قارات العالم من حيث صادرات الطاقة من نفط وغاز ومشتقاتهما من جهة ومحطة ترانزيت دولية تربط تجارة الشرق بالغرب من خلال الموانئ الخليجية ضمن مشروع اقتصادي يجمع دول الإقليم، أي دول مجلس التعاون الخليجي مع إيران والعراق، بما يعود بالنفع على اقتصاد وأمن وأبناء المنطقة.

غير أن الحرب الأميركية - الصهيونية غير المبررة على إيران والاعتداءات الإيرانية الآثمة على دول الخليج العربية قلصت من فرص ترويج أي فكرة إيجابية لمستقبل الإقليم الخليجي واستدامته.

وهذا ربما ما يجب أن تعمل عليه دول مجلس التعاون الخليجي في تحولها إلى كيان اقتصادي يجمع لو في وقت لاحق العراق وإيران في منظومة تعطي الأولوية للاقتصاد والتنمية والاستثمار لا الحروب والنزاعات والدمار.

 

 

back to top