وجهة نظر: هرمز يعيد تسعير العالم

• عندما يصبح النفط متوفراً... لكنه غير قابل للوصول

نشر في 26-03-2026
آخر تحديث 25-03-2026 | 19:40
 طارق الوزان

العالم لا يواجه اليوم مجرد موجة جديدة من ارتفاع أسعار النفط، بل يقترب تدريجياً من حالة أكثر تعقيداً وخطورة، تتمثل في اختلال تدفق الطاقة ذاته. ففي اقتصاد عالمي يستهلك أكثر من 100 مليون برميل يومياً، لا يكفي أن يكون النفط متوفراً في باطن الأرض أو في المخزونات الاستراتيجية، بل تصبح القدرة على إيصال هذا النفط إلى الأسواق في الوقت والمكان المناسبين هي العامل الحاسم في استقرار النظام الاقتصادي العالمي.

وفي قلب هذا التحدي يقف مضيق هرمز، أحد أكثر نقاط الاختناق حساسية في منظومة الطاقة العالمية. فكل يوم يمر عبر هذا الممر البحري الضيق ما بين 20 إلى 21 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً. هذه الأرقام لا تعكس فقط أهمية المضيق، بل تكشف عن هشاشة هيكلية عميقة، حيث يتركز جزء كبير من تدفقات الطاقة العالمية في ممر جغرافي واحد.

وعندما تتعرض هذه التدفقات لأي اضطراب، حتى وإن كان جزئياً أو مؤقتاً، فإن التأثير لا يبقى محصوراً في هامش السوق، بل يمتد مباشرة إلى صلب منظومة الإمداد العالمي، ليعيد تسعير المخاطر، ويغير توقعات الأسعار، ويؤثر في قرارات الاستثمار والإنتاج على نطاق واسع.

ما يميز المرحلة الحالية ليس وجود نقص حقيقي في الإنتاج العالمي للنفط، بل التحول التدريجي نحو صعوبة إيصال هذا الإنتاج إلى الأسواق. وهذه نقطة جوهرية تعيد تعريف طبيعة المخاطر في أسواق الطاقة.

فالفارق السعري الذي ظهر بين خام برنت، الذي استقر في نطاق يتراوح بين 105 و115 دولاراً للبرميل، وبين الخامات الشرق أوسطية القابلة للتسليم إلى الأسواق الآسيوية، مثل خامي عمان ودبي، والتي قفزت أسعارها إلى مستويات تتراوح بين 150 و160 دولاراً، يعكس هذا التحول بوضوح. فالفجوة التي تتجاوز 40 دولاراً للبرميل ليست مجرد تقلب سعري عابر، بل هي تعبير عن واقع جديد مفاده بأن النفط المتوفر نظرياً لا يساوي بالضرورة النفط القابل للتسليم فعلياً.

ويرتبط ذلك بعدة عوامل متداخلة، من بينها ارتفاع تكاليف التأمين على الشحن، وزيادة المخاطر الجيوسياسية، وتردد بعض شركات النقل البحري في عبور مناطق التوتر، إضافة إلى التعقيدات اللوجستية التي تؤثر على حركة السفن وسلاسل الإمداد.

ولا يقتصر الأمر على النفط فقط، إذ يمر عبر مضيق هرمز أيضاً ما يقارب 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وهو ما يضيف بُعداً إضافياً للأزمة، خصوصاً بالنسبة للاقتصادات الآسيوية التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من هذه المنطقة. ففي العديد من هذه الاقتصادات، تتجاوز نسبة الاعتماد على تدفقات النفط المرتبطة بالمضيق 80% من إجمالي الواردات، ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر مسألة تتعلق بالأمن الاقتصادي المباشر، وليس مجرد تغير في الأسعار.

لفهم قدرة النظام العالمي على امتصاص هذه الصدمة، لا بد من النظر إلى المخزونات النفطية ليس فقط من حيث حجمها الإجمالي، بل من حيث قابليتها الفعلية للاستخدام.

فعلى المستوى العالمي، تتجاوز المخزونات النفطية 8 مليارات برميل، بالإضافة إلى ما يقارب 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية الطارئة. وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تبدو مريحة من الناحية النظرية، فإن الواقع العملي يكشف عن قيود جوهرية تتعلق بتوزيع هذه المخزونات جغرافيًا، وسرعة الوصول إليها، ومدى توافقها مع احتياجات المصافي المختلفة.

في آسيا، التي تعد الأكثر اعتماداً على تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، تمتلك الصين مخزونات تُقدّر بين 1.5 و2 مليار برميل، تكفي لتغطية ما بين 60 إلى 90 يوماً من الاستهلاك في الظروف الطبيعية. أما اليابان، فتحتفظ بنحو 500 مليون برميل، تغطي ما يقارب 200 يوم من الواردات، بينما تمتلك كوريا الجنوبية مخزونات تتراوح بين 250 و300 مليون برميل تكفي لحوالي 90 يوماً. في المقابل، تبقى الهند في وضع أكثر هشاشة نسبياً، مع مخزون يغطي ما بين 70 إلى 80 يوماً فقط.

أما أوروبا، فرغم امتلاكها مخزونات تعادل ما لا يقل عن 90 يوماً من صافي الواردات، بإجمالي يقدّر بين 1.5 إلى 2 مليار برميل، فإنها تواجه تحدياً إضافياً يتمثل في اعتمادها المتزايد على الغاز الطبيعي المسال، ما يجعلها عرضة لصدمة طاقة مزدوجة في حال اضطراب الإمدادات عبر الخليج.

وعند تحويل هذه الأرقام إلى سيناريو عملي، يتضح حجم التحدي بشكل أكبر. فإذا تعرضت تدفقات مضيق هرمز لتعطل جزئي بنسبة تتراوح بين 25% إلى 30%، أي ما يعادل فقدان ما بين 5 إلى 8 ملايين برميل يومياً، فإن ذلك يعني خسارة تتراوح بين 150 إلى 240 مليون برميل خلال شهر واحد فقط، وترتفع إلى ما بين 300 إلى 480 مليون برميل خلال فترة تمتد إلى 60 يوماً.

وفي مثل هذا السيناريو، يمكن أن يتم استنزاف جزء كبير من الاحتياطيات الاستراتيجية خلال فترة قصيرة، دون أن يؤدي ذلك إلى معالجة الخلل الأساسي، وهو تعطل تدفق الإمدادات. ويزداد هذا التحدي تعقيداً في ظل محدودية البدائل، حيث لا تستطيع خطوط الأنابيب البديلة، مثل خط شرق–غرب في المملكة العربية السعودية أو خط أبوظبي إلى الفجيرة، تعويض كامل الكميات التي تمر عبر المضيق، ما يبقي جزءًا من الإمدادات خارج السوق الفعلي.

من الناحية الاقتصادية، تتسم أسواق النفط بانخفاض مرونة الطلب في المدى القصير، وهو ما يعني أن المستهلكين لا يستطيعون خفض استهلاكهم بسرعة عند ارتفاع الأسعار. وفي مثل هذه الأسواق، يمكن لأي انخفاض محدود في الإمدادات أن يؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في الأسعار.

تشير التقديرات إلى أن انخفاضاً بنسبة 1% في الإمدادات قد يؤدي إلى ارتفاع يتراوح بين 5% إلى 10% في الأسعار. وبناءً على ذلك، فإن أي نقص في حدود 5% إلى 8% من الإمدادات العالمية يمكن أن يدفع أسعار خام برنت إلى مستويات تتراوح بين 130 إلى 160 دولاراً للبرميل، مع تسجيل مستويات أعلى للخامات القابلة للتسليم الفوري.

وهنا يتضح أن السوق لا تتفاعل فقط مع الكميات الفعلية المتاحة، بل مع التوقعات والمخاطر المرتبطة بإمكانية استمرار التدفقات، وهو ما يجعل عنصر الثقة في استمرارية الإمدادات أحد أهم محددات الأسعار في المرحلة الحالية.

هذا الارتفاع في أسعار النفط لا يبقى محصوراً داخل قطاع الطاقة، بل ينتقل سريعاً إلى الاقتصاد العالمي عبر عدة قنوات مترابطة. فارتفاع تكاليف الطاقة يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار الغذاء والسلع الأساسية. كما يؤدي إلى تآكل هوامش أرباح الشركات الصناعية، ويضعف القدرة الشرائية للمستهلكين.

وتشير التقديرات إلى أن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر النفط يمكن أن يضيف ما بين 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم العالمية، في الوقت الذي يضغط فيه على معدلات النمو الاقتصادي.

في آسيا، حيث الاعتماد الأكبر على واردات النفط عبر مضيق هرمز، يتحول هذا الضغط إلى عامل مباشر في تباطؤ النشاط الصناعي، وقد يؤدي إلى خفض النمو الاقتصادي بنحو 1 إلى 2 نقطة مئوية في بعض الاقتصادات الكبرى. أما في أوروبا، فإن التأثير يظهر في شكل ارتفاع تكاليف الطاقة والغاز، ما يزيد من الضغوط على القطاعات الصناعية ويعزز احتمالات التباطؤ الاقتصادي.

في ضوء هذه المعطيات، تتضح الصورة بشكل أكبر. فالعالم لا يواجه نقصاً في الموارد النفطية بقدر ما يواجه تحدياً متزايداً في القدرة على الوصول إليها. ومع استمرار هذا الوضع، تتحول الأزمة من مجرد اضطراب مؤقت في الأسعار إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام الاقتصادي العالمي على الحفاظ على تدفق الطاقة بشكل مستقر.

في عالم يعتمد على تدفقات دقيقة وفي الوقت الحقيقي، قد لا يكون الخطر الأكبر في ندرة الموارد، بل في هشاشة المسارات التي تنقلها. ومن هذا المنطلق، لا يعيد مضيق هرمز تسعير النفط فقط، بل يعيد تسعير الاقتصاد العالمي بأكمله، ويكشف في الوقت ذاته عن حقيقة أساسية: أن أمن الطاقة لم يعد مرتبطاً بالإنتاج وحده، بل بقدرة العالم على ضمان استمرارية الوصول.

 

back to top