الخاسر والرابح بحرب الاستنزاف الأميركية: قراءة أولية
دخلت منطقة الشرق الأوسط حرباً أشعل شرارتها الكيان الصهيوني والأميركيون في مواجهة إيران، بعد تضليل نتنياهو لترامب بمعلومات مغلوطة أن قدرات إيران متهالكة، وأنها تشكل تهديداً وشيكاً، على أمنهما، وهو ما نفاه مسؤول أميركي سابق، وأنه يمكن القضاء عليها وتغيير نظامها في غضون أيامٍ معدودات لن تتجاوز أسبوعاً.
واليوم وبعد مضي 25 يوماً على الحرب اتضح أن كل الأطراف المتحاربة منهكةٌ مستنزفةٌ أو مجروحةٌ، وأن بعضها ينزف دماراً هائلاً في بنيته التحتية وقدراته العسكرية ومكانته السياسية والشعبية (إيران - الكيان الصهيوني)، مما فتح باباً للمفاوضات، وهناك حقائق هي:
إيران تهالكت قوتها العسكرية واستُنزِفت لمرحلة يُعتقد أنها بلغت أكثر من 85 في المئة، وقد دمرت العديد من البنى التحتية فيها بنحو 70 في المئة ومن المدن والمناطق المهمة الإيرانية، وفقدت إيران معظم قيادات الصف الأول وبعض الثاني سياسياً وعسكرياً، ويبقى النظام الإيراني قائماً لكنه متداعٍ. وبقاء النظام يمثل لإيران انتصاراً في حربه بمواجهة أكبر قوة في العالم وقوة ضاربة بالمنطقة، وتحتاج ربما إلى عشر سنوات، على أقل تقدير، لتستعيد عافيتها وبنيتها وقدراتها.
واتضح أيضاً أن إيران تُكنّ عداوة عميقة لدول الخليج والمنطقة عموماً، نابعة من عزلتها الطبيعية عن مكونات محيطها العرقية والدينية، وقد ظهرت هذه العداوة جليّة في هذه الحرب في حجم ونوعية الاستهدافات التي قامت بها إيران على دول الخليج والمنطقة غير المتحاربة معها، وستؤدي حتماً، إلى عزلة إقليمية أكبر وأكثر إيلاماً في مستويات عديدة.
الكيان الصهيوني في حالة إنهاك لقوّته العسكرية المستنزفة، وضعف قدراته منفرداً، وهزال سياسي بانقسام داخلي وعزلة مركبة من أطراف كانت حوله بصفة دائمة، وحالة ارتباك بسبب تهوره وعدوانيته، التي أفقدته ثقة حلفائه وتوجّس في نظرة أصدقائه والقائمين بحمايته المستمرة، وهي عزلة ستكشف هشاشته وتتركه شبه منفرد مستقبلاً في مواجهة دول المنطقة التي أدركت قوتها وضعفه ومداخل إيلامه وهزيمته، ويضاف إلى ذلك فقدانه للحاضنة الشعبية الداخلية التي ستتعمّق حالة عدم ثقتها باستمرارية الكيان وتزايد موجات الهجرة العكسية. وخارجياً فقدانه للحاضنة الشعبية الأميركية التي بدأت في التضاؤل والأوروبية التي دخلت حقبة التآكل السريع.
أميركا، تعيش حالة من الصدمة والذهول الآني كونها خسرت سمعتها وهيبتها كدولة عظمى بعد أن خاضت أكبر حرب لها منذ الحرب العالمية الثانية، ولم تتمكن من حسمها بنصر سريع ومدوٍّ يليق بمكانتها، بل صارت تبحث عن مخارج لإنهاء الحرب والاكتفاء بأي قدر من النصر ولو كان شكلياً أو هامشياً، وبوادره المفاوضات في باكستان، ووضعها سيُحدث حالة إعادة وعي عالمي مثير لقلقها وتخوفاتها خصوصاً من قبل خصومها ومنافسيها الطبيعيين (روسيا - الصين - كوريا) مما يعني قطبية متعددة، وربما يصبح هناك شعور مماثل بعدم الحاجة لها من حلفائها التقليديين وخصوصاً الأوربيين واليابانيين الذين أفصحوا عن امتناعهم عن مشاركتها في حربها ضد إيران، بل وحتى في أقل وهو تأمين مضيق هرمز.
واكتشف ترامب والأميركيون أنهم خاضوا حرباً ليست حربهم استنزفت قدراتهم وذخائرهم ونزفت معها أسواقهم، وتداعت معها أسواق الطاقة، وتململ حاضنة ترامب الشعبية، في مرحلة انتخابية تدنت فيها شعبيته إلى أقل من 40 في المئة.
دول الخليج والمنطقة: تصرّفت بحكمة متناهية وبحذر ذكي، مكّنها من امتصاص الضغوط الأميركية والتصدي الفعّال للعدوان الإيراني بالصواريخ والمسيّرات، وحافظت على رباطة الجأش واليقظة، وأثبتت أنها تملك قدرات عسكرية ذاتية فعّالة ومتقدمة، بل وقدرة أكبر جماعية ككتلة واحدة، وهو ما سيتبلور ويعزز في قادم الأيام، بعد أن أدركت حتمية ذودها عن دولها وشعوبها ذاتياً وأنها قادرة، فهذه الحرب رفعت من قدراتها وجاهزيتها وحصّنت جبهتها الداخلية بعد تجربة عسكرية عملية فُرضت عليها في هذه الحرب.
وعلى الرغم من الخسائر المالية والاقتصادية الكبيرة وبعض التدمير الذي لحق ببعض مرافقها ومحطات الطاقة النفطية فيها، لكن قدرتها على التعافي واستئناف عجلة الإنتاج والتنمية ستكون ميسرة وسريعة. واستفادت من معرفة منطق التحالف والتماسك الملح والتعرف على الصداقات والتقارب لضمان أمنها المستقبلي بمحور سعودي ــ تركي ــ باكستاني ــ مصري ودول مجلس التعاون الخليجي.
باختصار كل طرف من الأطراف المتحاربة خسر ويبحث عن مخرج، وهو ما بدأ، وربحه محدود جداً!
كفانا الله شر الحروب وسعارها.