الجنة التي هوت إلى الدرك الأسفل
ذهبت الشهر الماضي في زيارة إلى وطني الحبيب لبنان، حاملةً معي حبي وأشواقي لملاقاة هذا البلد الجميل بعد غياب، ولكن حين وطأت قدمي أرض وطني شعرت فجأة بالضيق والحزن المطبق، فهنالك جو من الجمود واليأس يخيّم على البلاد، ووجدت نفسي غريبة عنه وكأنني في بلد غريب وموحش، وكنت ألتفت حولي ولا أرى إلا أناساً يرزحون تحت أعباء الهموم ومصابين بنوع من التوتر المزمن والغضب السريع من أقل سبب والذي تراه جلياً في حركتهم وكلامهم وقيادتهم. والمؤلم في الموضوع هو حالة اليأس والسواد التي تعتريهم، فلا تجدهم يركضون وراء تحقيق طموحاتهم وأحلامهم وقد فقدوا الأمل من المستقبل بشكل نهائي وكل واحد يعيش حياته يوماً بيوم، ففكرة ادّخار الأموال أصبحت من الماضي خاصة بعد أن فقد اللبنانيون مدخراتهم بسبب انهيار النظام المصرفي وبعد أن فقدت الليرة اللبنانية 90% من قيمتها، معظمهم يسحب نقوده بالكامل من حسابه البنكي فور نزول الراتب والذي لا يكاد يكفي المأكل والمشرب. بالفعل رأيت بلداً منكوباً، وللأسف فإن لبنان الذي أعرفه لم يعد موجوداً وأصبح ذكرى باهتة عن ماضٍ جميل قد ذهب إلى الأبد.
وفي المقابل، رأيت طبقة الأغنياء الجدد الذين يعيشون بذخاً فاحشاً بفضل تبييض الأموال والتهريب عبر المنافذ الجوية والبحرية والبرية للبلاد، وعلى الأخص تهريب المخدرات والمتاجرة بالبشر والسلاح، وبالطبع هنالك التجار الذين يحتكرون الأدوية والبضائع والمواد الغذائية وغيرها والذين أغرقوا البلاد بالبضائع الفاسدة والأدوية المزوّرة والمواد الغذائية المسرطنة ومنتهية الصلاحية، وهم بأغلبيتهم من الطبقة السياسية ورجال الأحزاب والجماعة المحيطة بكل زعيم والتي تعيش على الرشاوى والفساد والعمولات، وتذكرت قولاً ينسب إلى الإمام علي عندما سألوه: «من أحقر الناس؟» فقال «أحقر الناس من ازدهرت أحوالهم يوم جاعت أوطانهم».
ثم حل اليوم الذي أعود فيه إلى الكويت مغادرة أرض الوطن إلى أرض الغربة، أرض وطني التي طالما كانت خصبة أصبحت قاحلة، وجمال طبيعتها الخلابة أضحى تلالاً جرداء تمتد إلى ما لا نهاية، دفء قلب بلادي تحوّل إلى ريح هوجاء تقذف بنا بعيداً عن أرضها نحو المجهول. غادرت يومها بلادي إلى أرض الخليج الصحراوية، ولكن أجد نفسي أشتاق إلى صحراء الخليج وأحنّ اليها أكثر من بلادي التي ترعرعت في كنف أغصانها وربوعها الجميلة، لقد وجدت في صحراء الخليج واحة أنعمت عليّ بالسلام والرخاء والاستقرار، رمالها الجافة ومناخها الحار وأراضيها القاحلة كانت أكثر خيراً عليّ من جنان بلادي الغنّاء، ووجدت نفسي وأنا في الطائرة وروحي عطشى لملاقاة الصحراء أكثر من البقاء في جنة لا خير فيها، جنة استحوذت عليها الشياطين وفتكت بها الأيادي السود.
سامحني يا لبنان، حبي لك نبع لن ينضب أبداً، ولكن أصبحتُ أحبك من بعيد وأحمل حبك في قلبي، ولكنه حب من دون أمل... فلا أمل بأن أعود إليك لأني أعلم بأنك لن تستقبلني فاتحاً ذراعيك لي، لبنان الذي يشبهنا لم يعد موجوداً، لقد نبذتنا يا وطني وفتحت ذراعيك للخونة وأصحاب النفوس الجشعة، لقد انفطرت قلوبنا بسبب الحال التي وصلت إليها... وبالرغم من أن الكويت ليست وطني، ولكن كل أرض أكرمتك هي وطن.