وجهة نظر: النفط لا ينتظر الأزمة... بل يسعّرها مسبقاً

نشر في 23-03-2026
آخر تحديث 22-03-2026 | 18:13
 أحمد غازي العبدالجليل تشهد أسواق النفط العالمية مرحلة استثنائية مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتعطل التدفقات عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من الاستهلاك العالمي من النفط. وقد انعكس ذلك سريعاً على الأسعار، التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، في حين سجلت المنتجات المكررة ارتفاعات أكبر نتيجة الضغوط على سلاسل الإمداد.
ورغم إعلان وكالة الطاقة الدولية سحب نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية، في خطوة تعد الأكبر من نوعها، فإن هذه الاستجابة تعكس في الوقت ذاته حجم التحدي الذي يواجه السوق، حيث لم يعد جانب العرض وحده كافياً لإعادة التوازن، ورغم هذا السحب التاريخي، لم تنخفض الأسعار بشكل مستدام، بل ظلت مدعومة بعلاوة المخاطر.
في هذا السياق، بدأ يتشكل تحول واضح في طريقة التعامل مع الأزمة، إذ لم يعد التركيز مقتصراً على زيادة الإمدادات، بل امتد ليشمل إدارة الطلب نفسه. فقد طُرحت إجراءات تهدف إلى تقليل الاستهلاك، مثل تقليص السفر وتحسين كفاءة استخدام الوقود، وهي مؤشرات على دخول السوق مرحلة جديدة تتجاوز الأدوات التقليدية.
غير أن ما يميز هذه المرحلة لا يقتصر على اختلال التوازن بين العرض والطلب، بل يرتبط أيضاً بعامل لا يقل أهمية، وهو ما يُعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية. ففي أسواق النفط، لا يشترط أن تتعطل الإمدادات فعلياً حتى ترتفع الأسعار، بل يكفي أن يصبح تعطلها احتمالاً، إذ يقوم المتعاملون بتسعير المخاطر المستقبلية قبل وقوعها، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار حتى في غياب نقص فعلي في المعروض.

في الأسواق لا ترتفع الأسعار عندما تتعطل الإمدادات فقط... بل يكفي أن يصبح تعطلها احتمالاً

وفي هذا الإطار، يعكس جزءاً من سعر النفط الحالي علاوة المخاطر الجيوسياسية، والتي تُقدَّر غالباً بين 5 إلى 10 دولارات للبرميل، وقد تتجاوز ذلك في فترات التصعيد الحاد. وهذا يعني أن جزءاً من الأسعار الحالية لا يعكس نقصاً في الإمدادات، بل تكلفة التحوّط من سيناريو تصعيد أوسع لم يتحقق بالكامل بعد.
ويتضح هذا النمط في تجارب سابقة، حيث شهدت الأسواق في عام 2022 ارتفاعاً حاداً في الأسعار مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، رغم استمرار تدفق الإمدادات، قبل أن تتراجع الأسعار لاحقاً مع انحسار المخاطر، وهو ما يعكس طبيعة هذه العلاوة وتأثيرها المؤقت.
لكن الأسواق لا تسعّر فقط احتمالات التصعيد أو نهايات الأزمات، بل تركز أيضا على سرعة عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية. فحتى في حال تراجع التوترات، تبقى الأسعار مدعومة إلى أن تتأكد الأسواق من استعادة التدفقات واستقرار سلاسل الإمداد، وهي عملية تستغرق وقتا ولا تحدث بشكل فوري.
وهذا ما يفسر أيضاً ارتفاع حدة التقلبات في السوق، حيث تتحرك الأسعار ليس فقط مع الأخبار، بل مع تغير التوقعات، وهو سلوك يعكس دخول تدفقات مضاربية ومؤسساتية تسعى لتسعير المخاطر قبل تحققها. وهنا تكمن حساسية المرحلة الحالية، إذ إن الأسعار قد لا تنخفض مباشرة مع هدوء التوترات، بل تظل مدعومة إلى أن يتضح أن التوازن عاد فعليا، وليس فقط على المستوى السياسي.
ولا تقتصر آثار هذه التطورات على سوق النفط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية، ويضع البنوك المركزية أمام تحديات إضافية في إدارة السياسة النقدية.
في المحصلة، لم تعد أسعار النفط تعكس التوازن الحالي فقط، بل تكلفة التحوّط من سيناريو تصعيد أوسع لم يتحقق بالكامل بعد.
وفي أسواق النفط، لا ترتفع الأسعار عندما تتعطل الإمدادات فقط... بل عندما يصبح تعطلها احتمالاً.

 
back to top