رياح وأوتاد: أين ذهبت عقولهم؟
في آيات كثيرة، خاطب الله تعالى الناس بالتفكر والعقل «... أفلا تعقلون»، «إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون»، «ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون»، كما أخبر رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - أنه سيأتي زمان يكثر فيه القتل، فسأله الصحابي أبوموسى الأشعري: أو قتل الكفار؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «ليس قتل المشركين ولكن يقتل بعضكم بعضا»، فقال بعض القوم: يا رسول الله ومعنا عقولنا في ذلك اليوم؟ فقال «لا، تُنزع عقول أكثر ذلك الزمان، ويخلفُ هباء من الناس لا عقول لهم». (الألباني).
فهل وقع ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم- فذهبت عقول كثير من الناس هذه الأيام؟ نرى اليوم كثيراً من الناس يكادون أن يقتتلوا بسبب تحزبهم إلى الصهاينة أو إلى إيران، وآخرين أوشكوا على القتال فيما بينهم بسبب انحيازهم إلى «حزب الله» أو إلى الحكومة اللبنانية، وآخرين دقت بينهم فتنة الذباب الإلكتروني فشنوا أسلحتهم الإلكترونية ضد هذا الفريق أو ذاك البلد العربي حتى تكاد تصل أيديهم وأسلحتهم إلى الاقتتال، وكل ذلك يتم دون تحكيم العقل والحكمة، ولا أستبعد أن يكون كثير من هذا الاقتتال اللفظي بسبب الصهاينة أو عملائهم أو الجهل بأحكام الدين والمصالح الشرعية، كما لا أستبعد أن ينتشر القتال بين بعض البلاد العربية أو الإسلامية بسبب ذهاب العقول والتعصب الأعمى وذهاب النظر في المصالح والمفاسد وفقه المآلات.
إن ذهاب العقل وغياب رجال الفهم والحكمة عن التأثير وغلبة تفاهات الذباب الإلكتروني والرويبضات على الساحات الشعبية جعلها بالفعل وكأنها ساحات حرب إعلامية ذهبت عقولها فأصبحت شعوباً تكره بعضها بل وتسب وتشتم الأخرى.
ولا شك أن الحكومات كلها مقصرة لأن من واجباتها نشر الوعي السليم بين الناس، وهذا الوعي هو أول درجات العقل والحكمة والتفكير السليم الذي يقرب بين الشعوب الإسلامية وأيضاً مع أهل الذمة المواطنين في الدول العربية والإسلامية وفق المصلحة الشرعية التي يستفيد منها الجميع وتحقق الأمن والاستقرار والتقدم لهم ولدولهم.