بصائر الحكمة 1 (القلب واللسان)

نشر في 22-03-2026
آخر تحديث 21-03-2026 | 18:56
 حسين عبدالله

يُروى عن حكيم أنه كان عبدًا مملوكًا، فأمره سيده يومًا أن يذبح شاة ويأتيه بأخبث ما فيها، فذبحها وأتاه بالقلب واللسان. ثم أمره في وقت آخر أن يذبح شاة ويأتيه بأصلح ما فيها، ففعل وعاد إليه بالقلب واللسان.

فقال له سيده: طلبتُ منك أخبث ما فيها فأتيتني بالقلب واللسان، ثم طلبتُ أصلح ما فيها فأتيتني بهما أيضًا، فكيف ذلك؟

فقال الحكيم: هما أصلح ما في الإنسان إذا صلحا، وأخبث ما فيه إذا خبثا.

فلما سمع سيده هذا الجواب، أدرك ما يحمله من بصيرة، فأعتقه لما رأى فيه من حكمة.

وتُروى هذه القصة عن لقمان الحكيم، الذي خُلِّد ذكره في القرآن، إذ نزلت باسمه سورة تُتلى إلى يوم القيامة.

وليس ذلك لمجرد قصة، بل لما تحمله وصاياه من منهج في بناء الإنسان، خصوصاً في زمن يكثر فيه التشتّت، وتضيع فيه البوصلة.

والحكمة... كثرت التعاريف حولها لكن من أعمق ما قيل فيها ما ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حين قال: مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ لا تُنازِعَ مَنْ فَوْقَكَ وَلا تَسْتَذِلَّ مَنْ دُونَكَ وَلا تَتَعاطى مَا لَيْسَ في قُدْرَتِكَ وَلا يُخالِفَ لِسانُكَ قَلْبَكَ وَلا قَوْلُكَ فِعْلَكَ وَلا تَتَكَلَّمَ في ما لَمْ تَعْلَمْ وَلا تَتْرُكَ الْأَمْرَ عِنْدَ الْإِقْبالِ وَ تَطْلُبَهُ عِنْدَ الْإِدْبارِ.

هذه ليست جملًا متفرّقة، بل منهج متكامل يضبط علاقة الإنسان بنفسه والناس وبالواقع. فالحكمة تبدأ بالتواضع، أن تعرف قدرك فلا تنازع من هو أعلى منك، ولا تظلم من هو دونك. ثم تمتد إلى معرفة الحدود، فلا تتكلّف ما لا تطيق، ولا تتجاوز ما لا تحسن. وتكتمل بالصدق الداخلي، أن لا ينفصل لسانك عن قلبك، ولا قولك عن فعلك. وتظهر في ضبط الكلمة، فلا يُقال ما لا يُعلم، ولا يُخاض فيما لا يُحسن. ثم تُختبر في التوقيت، فلا تُترك الفرصة عند حضورها، ولا تُطلب بعد فواتها.

بهذا المعنى لا تكون الحكمة كلامًا يُحفظ، بل ميزانًا يُرجع إليه ليضبط القرار، ويهذّب السلوك، ويمنع الإنسان من الانحراف دون أن يشعر.

لكن كيف يصل الإنسان إلى الحكمة؟ وما الطريق الذي رفعه إلى هذه المنزلة؟

قد يبدو السؤال معقّدًا، لأننا نظن أن الطريق طويل، ونستثقل السير فيه. لكن الجواب جاء بسيطًا في قول النبي ﷺ عن لقمان: « لم يكن نبيًّا، ولكنّه كان عبدًا كثير التفكّر، حسن اليقين، أحبّ الله فأحبّه، ومنّ عليه بالحكمة».

وبهذا تتضح الحقيقة: الحكمة ليست مقامًا بعيدًا، بل ثمرة مسار واضح.

تبدأ بالتفكّر لا كخواطر عابرة، بل تأمل عميق يقود إلى فهم النفس والوجود.

ومن هذا التفكّر يتولّد اليقين ويصفو القلب. ثم ترتقي إلى علاقةٍ تقوم على المحبة، لا مجرد الخوف، بل قربٌ يعرف فيه الإنسان ربّه، فيحبّه الله ويمنحه من فضله.

وهنا تُوهب الحكمة... لا بكثرة القول، بل بصدق العمل، واتساق الظاهر مع الباطن.

وسنكمل في المقال القادم منهج وصايا لقمان لابنه.

back to top