خلايا الظلام

نشر في 20-03-2026
آخر تحديث 19-03-2026 | 17:12
 د. جاسم الجزاع

حين يتأمل مَنْ يرى ما كشفت عنه الجهات الأمنية في الكويت من تفكيكٍ لخلايا مرتبطة بتنظيمات خارجية إرهابية، يُدرك أن المسألة لم تعد حادثة أمنية عابرة محصورة في إطارها الإجرائي القانوني، بل هي لحظة كاشفة لطبيعة خطر يتسلل إلى الدول من داخلها قبل أن يصل إليها من خارجها، فالدول لا تُستهدف بالصواريخ والقاذفات فقط، بقدر ما تُستهدف بالعقول المُجنَّدة، والشبكات المعقدة التي تعمل في الظل، وشراء الولاءات التي تُزرع بصمت حتى تنضج في توقيتٍ محسوب خطير.

وقبل الخوض في هذا المشهد، يجدر التأكيد على أن الحديث ينصرف إلى التنظيمات المرتبطة بمشاريع عابرة للحدود، لا إلى الأعراق ولا الطوائف، فالكويت- عبر تاريخها- كانت نموذجاً للاستقرار والتعايش بين الطوائف، ولم تكن ساحة صراع داخلي طائفي، بل مساحة توازن دقيق بين مكونات المجتمع الكويتي، وهو ما يجعل أي محاولة لاختراق هذا التوازن تهديداً يتجاوز الأمن إلى عُمق الكيان الوطني الكويتي.

إن ما أعلنته السُّلطات الكويتية من ضبطٍ لعناصر مسلَّحة ومرتبطة بجهات خارجية يطرح سؤالاً أخطر من الواقعة نفسها، كيف تتحوَّل دولة اختارت الحياد النسبي العقلاني التسامحي وأبقت قنواتها مفتوحة مع الجميع إلى ساحة يُحاول البعض نقل صراعاته إليها والسعي للإضرار بها؟ هنا تتكشَّف الحقيقة، فالكويت التي أدارت خلافاتها بعقلانية، تُفاجأ بأن هذا النهج العقلاني التسامحي لا يمنع محاولة الإضرار بداخلها.

وهذا الحدث لا ينفصل عن سياقٍ إقليمي متوتر، وأعني الحرب الإيرانية- الأميركية القائمة الآن، حيث يتجه أحد الأطراف المتصارعة إلى تصدير أزماته، في محاولةٍ منه لإعادة توزيع الضغط خارج حدوده، وهنا تُصبح الدول المستقرة هدفاً لأغراض مريدي الشر.

إن أخطر ما في هذه الخلايا الظلامية ليس السلاح، بل الفكرة التي تقوم عليها، «فكرة اختراق الدولة من الداخل» وإعادة تشكيل الولاء خارج إطار الوطن، وهو ما يضع الخليج والكويت أمام تحدٍ مركَّب يمتد من الأمن إلى الوعي، حيث المواجهة مع فكرة معنوية، لا مع حادثة وممارسات.

وفي هذا السياق، يتغيَّر تعريف الأمن العام للبلاد، فبعد أن كان حماية الحدود فقط، أصبح حماية النسيج الداخلي من أي تصدعٍ أو اختراق. 

الكويت اليوم تقف أمام اختبارٍ دقيق بين الحزم الأمني والحفاظ على تماسُك المجتمع. فتفكيك هذه الخلايا تم بنجاحٍ باهر يُشكر عليه القائمون في وزارة الداخلية، فالدول لا تُستهدف فقط حين تضعف، بقدر ما تُستهدف حين تنجح في إدارتها لشؤونها الداخلية وعلاقاتها الخارجية، وهنا يكمن التحدي الحقيقي.

*باحث اكاديمي

back to top