حائط كونفدرالي لصد العدوان الإيراني

نشر في 20-03-2026
آخر تحديث 19-03-2026 | 17:10
 حمد جاسم الفواز

لم تعد الدعوة إلى تطوير منظومة العمل الخليجي المشترك مجرد رفاهية أو طموح سياسي مؤجل، بل أصبحت في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة ضرورة استراتيجية تفرضها حقائق الأمن والجغرافيا والمصير المشترك، فالأحداث التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، وصولاً إلى الهجمات الإيرانية الغادرة التي طالت دول الخليج، تؤكد أن أمن الخليج مترابط وغير قابل للتجزئة، وأن أي تهديد يستهدف دولة منه إنما يهدد استقرار المنطقة بأكملها.

 بعد العملية العسكرية الأميركية- الإسرائيلية المشتركة على إيران واغتيال المرشد، وما تبعها من هجمات صاروخية إيرانية استهدفت دول الخليج التي لم تكن طرفاً في هذا التصعيد، برزت حقيقة واضحة مفادها أن الاعتماد على التحالفات الدولية والإقليمية كجامعة الدول العربية (محدودة القدرات) وحده لم يعد كافياً لضمان أمن المنطقة، وأن بناء منظومة خليجية متماسكة لحماية المصالح المشتركة أصبح ضرورة مصيرية حتمية.
في هذا السياق تعود إلى الواجهة مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود التي طرحها في القمة الثانية والثلاثين لمجلس التعاون عام 2011، عندما دعا إلى «الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد في كيان واحد يحقق الخير ويدفع الشر».
وقد جاءت هذه الدعوة استشرافاً منه لطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة، واستكمالاً للرؤية التي سعى إليها أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح، طيّب الله ثراه، عند تأسيس مجلس التعاون عام 1981 لتعزيز التنسيق وتحقيق مكاسب استراتيجية وأمنية لدوله. 

لقد أثبتت التحولات الجيوسياسية العالمية الجديدة أن مستوى التعاون الحالي لم يعد كافياً لمواجهة التحديات، وأن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال إلى مستوى أعمق من التكامل.
ومن هنا تبرز فكرة الاتحاد الكونفدرالي الخليجي بوصفها الصيغة الأكثر واقعية، إذ تقوم على اتحاد دول مستقلة ذات سيادة تنسق سياساتها في مجالات أساسية كالدفاع المشترك والسياسة الخارجية والتكامل الاقتصادي، مع احتفاظ كل دولة بحدودها ونظامها السياسي وقوانينها الداخلية.
إن قيام كونفدرالية خليجية ليست أمراً مستحيلاً إذا قامت على احترام سيادة وخصوصية كل دولة، مع ضمان العدالة بين الأعضاء ضمن إطار مؤسسي واضح يحقق المصالح المشتركة دون أن يطغى طرف على آخر.
وفشل التجارب الوحدوية العربية السابقة بسبب تباينات اقتصادية وصراع زعامات، لا يجب أن يكون ذريعة لغض النظر عن الاتحاد، فتكوين دول الخليج مختلف، والشخصية الخليجية تمتلك من عناصر التقارب ما يجعلها مؤهلة لمثل هذا المشروع، إذ تجمعها اللغة والدين والهوية والجغرافيا، فضلاً عن ترابط اقتصاداتها وتشابه تحدياتها الأمنية.
من الطبيعي أن تنطلق أي مبادرة بهذا الحجم من الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية، لما تمثله من ثقل سياسي وعمق استراتيجي في المنطقة، فالمملكة تستحوذ على أكبر مساحة جغرافية في شبه الجزيرة العربية، وقوة سكانية واقتصادية مؤثرة، إضافة إلى مكانتها الإسلامية لاحتضانها الحرمين الشريفين، ما يجعلها محوراً طبيعياً لأي مشروع تكاملي خليجي.
إن اللحظة التي تمر بها المنطقة اليوم قد تمثل فرصة حقيقية لإحياء مشروع الاتحاد الخليجي، فالجغرافيا واحدة، والمصير واحد، وأمن الخليج لا يمكن أن يُصان إلا بتكامل قدرات دوله، ومن ثم فإن الانتقال من مرحلة التعاون إلى الاتحاد الكونفدرالي لم يعد مجرد طموح سياسي، إنما خيار استراتيجي لضمان الأمن والاستقرار واستدامة الازدهار للأجيال القادمة.

back to top