تأثير إغلاق مضيق هرمز على العالم

نشر في 20-03-2026
آخر تحديث 19-03-2026 | 16:53
 بيبي أحمد السني

في ظل التغيُّرات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، لم تعد التوترات السياسية والعسكرية مجرَّد وقائع عابرة، بل أصبحت عوامل قادرة على إحداث انطباعات عميقة في استقرار الاقتصاد العالمي، وهذا يبرز الأثر بوضوح في حالتين مترابطتين، هما: اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وتقييد أو إغلاق المجالات الجوية، وهذا ما يُعيد طرح تساؤلات مبدئية حول مدى كفاية القواعد القانونية الدولية في حماية حُرية التجارة والتنقل.

تمرُّ عبر المضيق نسبة تقارب خُمس الإمدادات النفطية العالمية، الأمر الذي يمنحه أهمية استراتيجية استثنائية، حيث يخضع لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي أرست مبدأ «المرور العابر» كقاعدة قانونية تكفل حُرية الملاحة، وقد نصَّت المادة 38 على حق جميع السفن والطائرات في المرور من دون إعاقة، كما أكدت المادة 44 التزام الدول المشاطئة بعدم تعطيل هذا المرور أو عرقلته.

ومن ثم، فإن أي إجراءٍ يؤدي إلى إغلاق هرمز أو تقييد الملاحة فيه يُعد، من حيث الأصل، مخالفاً لقواعد القانون الدولي، حيث إن الواقع العملي يكشف عن صورة أكثر تعقيداً، إذ أدت التوترات الأمنية إلى تراجع حركة السفن وارتفاع تكاليف التأمين، وذلك من دون صدور قرار رسمي بالإغلاق، وهو ما يمكن وصفه قانوناً بحالة «التعطيل غير المباشر»، التي تُفرغ مبدأ حُرية الملاحة من مضمونه، رغم بقاء الالتزام به شكلياً قائماً. في المقابل، يتمتع المجال الجوي بسيادة الدولة الكاملة، وفقاً لاتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي، والتي تقر في مادتها الأولى بسيادة الدولة المطلقة على الفضاء الجوي الذي يعلو إقليمها، وبموجب ذلك يجوز للدول تقييد أو إغلاق أجوائها لأسباب أمنية أو سيادية، إلا أن ممارسة هذا الحق تظل مقيَّدة بعدم التعسُّف، وبالالتزام بضمان سلامة الطيران المدني، والحد من التأثيرات السلبية على حركة النقل الدولي.

ويؤدي التداخل بين اضطراب الملاحة البحرية وتقييد الأجواء إلى إحداث أثرٍ مركَّب على التجارة العالمية، يتمثل في تعطُّل سلاسل الإمداد، وتصاعد تكاليف الشحن والتأمين، وتزايد تموجات الأسواق، لاسيما في قطاع النفط، حيث يمتد هذا الأثر إلى حركة الأفراد، من خلال إلغاء الرحلات، وإطالة مسارات السفر، وهذا ما ينعكس بشكلٍ سلبي على النشاط الاقتصادي والتواصل الدولي. وفي هذا السياق، لم يعد الاكتفاء بالالتزام الشكلي بالنصوص القانونية كافياً لتقييم مشروعية الأفعال الدولية، في ظل ممارسات قد لا تُخالف القواعد صراحة، لكنها تُفرغها من مضمونها عملياً، فالقانون الدولي لم يُنشأ لحماية النصوص بذاتها، بل لضمان استقرار المعاملات الدولية وصون المصالح المشتركة.

أخيراً، ورغم غياب الإغلاق الرسمي للممرات الحيوية، فإن الواقع يدل إلى تعطيل فعلي لحركة التجارة العالمية، وهو ما يبرز أن استقرار التجارة لا يرتبط فقط بفتح الممرات، بل بمدى أمنها واستمرار استخدامها من دون تهديد، فالتجارة العالمية لا تتعطَّل حين تُغلق الطُّرق فحسب، بل حين تفقد الأمان. 

ويُلاحظ من ذلك أن المشكلة ليست في القانون الدولي، بل في واقعٍ سياسي يُضعف فاعليته، فالتجارة لا تتعطَّل عند إغلاق الطرق فقط، بل منذ اللحظة التي تفقد فيها الأمان.

back to top