وجهة نظر: المرونة في العمل... ليست صلابة نفسية فقط

نشر في 19-03-2026
آخر تحديث 19-03-2026 | 16:51
 إبراهيم الكندري

في الخمسة والثلاثين عاماً الماضية عايشت شخصياً الكثير من الأزمات، بعضها شخصي، وبعضها عام، ولعل أهمها الأزمات الخمس منذ غزو الكويت عام 1990 وما تبعه من حرب التحرير وإعادة البناء، حرب العراق عام 2003، جائحة كورونا، حرب الـ 12 يوماً، والحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران وتبعاتها. وقد كنت أشعر دائماً في كل من تلك الأحداث بأنني أحمل مسؤولية أن أبقى قادراً على اجتيازها، وقادراً على أن أحمي من حولي على اجتيازها بأقل الخسائر الممكنة. حتى في الأوقات التي لم أكن أمتلك القرار أو المسؤولية، لعل ذلك ينبع من حاجة داخلية لإثبات أنني أكبر من ذلك الكرسي الذي أستخدمه في الحركة.

عموماً، ما يهمني في هذا المقال ليس القدرة الشخصية والصلابة النفسية للأفراد، ما يهمني، وما أسعى إلى مناقشته هنا هو لماذا تصمد بعض الفرق والشركات تحت الضغط، بينما تتعثر أخرى رغم أنها تبدو من الخارج أكثر قوة؟ وهذا السؤال لا يرتبط بالأحداث الكبرى فقط، ففي بيئة تتسارع بها التغيرات الاقتصادية والتنظيمية والتقنية، أصبحت المرونة (Resilience) من أكثر المفاهيم حضوراً في عالم الأعمال، لكن المشكلة أن الكلمة تستخدم كثيراً، بينما يساء فهمها أكثر.

المرونة ليست تفاؤلاً ساذجاً

غالباً ما يجري تقديم المرونة (Resilience) على أنها قدرة نفسية فردية، موظف متفائل، أو مدير لا ينفعل، أو فريق يواصل العمل رغم صعوبة الظروف، وهذا لا يمثل سوى جزء صغير من الصورة الكبرى، فالمرونة في بيئة العمل ليست مجرد تحمل للضغوط، وليست تفكيراً إيجابياً، وليست دعوة للناس كي يصبروا أكثر، المرونة، في معناها الأعمق، هي القدرة على مواجهة الواقع كما هو، وإيجاد معنى واضح للعمل تحت الضغط، والتكيف العملي مع الظروف الجديدة دون فقدان التوازن.

فالمؤسسات لا تنهار فقط بسبب قلة الثقة، بل كثيراً ما تنهار لأن قياداتها تأخرت في الاعتراف بالمشكلة، عندما تتجاهل الإدارة اختناقات العمل، أو الاستنزاف المتصاعد، أو تضارب الأولويات، أو تآكل الثقة داخل الفرق، فإنها لا تبني مرونة، بل تؤجل الانفجار، المرونة تبدأ من الصراحة، ما الذي يحدث فعلاً؟ وأين مكامن الهشاشة؟ وما الذي يجب الاعتراف به قبل فوات الأوان؟

المرونة ليست مسؤولية الفرد وحده

نعم، هناك أشخاص أكثر قدرة من غيرهم على استيعاب الصدمات والتعلم من الإخفاق، لكن بيئة العمل قد تعزز هذه القدرة أو تقضي عليها، الموظف القوي يمكن أن يُستنزف في مؤسسة مضطربة، والموظف العادي قد يقدم أداء ممتازاً إذا عمل داخل فريق متماسك ونظام واضح، ولهذا فإن اختزال المرونة في عبارة «نحتاج موظفين أقوى» هو في كثير من الأحيان تهرب من السؤال الأصعب، هل بيئة العمل نفسها تساعد الناس على الصمود، أم تعمل يومياً على إنهاكهم؟

المرونة تعمل على ثلاثة مستويات مترابطة: الفرد، والفريق، والمؤسسة

على مستوى الفرد، تتعلق بإدارة الضغط والقدرة على التعافي والتعلم. وعلى مستوى الفريق، تتعلق بالثقة والتنسيق وتوزيع الأدوار والحديث الصريح عن الأخطاء. أما على مستوى المؤسسة فتتعلق بوضوح العمليات، وسرعة تدفق المعلومات، وجودة القيادة، وقدرة النظام كله على امتصاص الصدمات. والمشكلة أن كثيراً من المؤسسات تحاول علاج هشاشتها المؤسسية ببرامج تطوير فردية، فتطلب من الموظفين أن يصبحوا أكثر مرونة بينما تبقى أسباب الاستنزاف كما هي.

وجود المعنى

تكشف التجربة أن الناس لا يصمدون طويلاً إذا فقدوا المعنى. الموظف الذي يشعر بأن ما يفعله بلا جدوى، أو أن مؤسسته تقول شيئاً وتمارس نقيضه، أو أن الضغط المطلوب منه لا تحكمه عدالة أو غاية واضحة، يكون أكثر عرضة للتآكل الداخلي، حتى لو استمر في الحضور والعمل، المعنى هنا ليس شعاراً جميلاً، بل عنصراً عملياً، الناس يحتاجون إلى أن يفهموا لماذا يُطلب منهم ما يُطلب، وما الذي تحاول المؤسسة حمايته في أوقات الضغط، هل هو الجودة، الثقة، العميل، السمعة، الاستدامة، أو غير ذلك، عندما يغيب هذا المعنى، يتحول الجهد إلى عبء خالص.

المرونة ليست ارتجالاً

المرونة لا تعني الفوضى أو الارتجال المستمر بالعكس، المؤسسات الأكثر مرونة غالباً هي التي تمتلك قواعد واضحة وبسيطة، وإجراءات مستقرة، وخطوط قرار مفهومة، بحيث تستطيع التكيف بسرعة عندما تتغير الظروف، المرونة هنا ليست عكس الانضباط، بل نتاجه، فالعمل تحت الضغط لا يحتمل دائماً اختراع الحلول من الصفر، بل يحتاج إلى أساس من الترتيب يسمح بالتصرف الذكي عند الطوارئ.

هذا النوع من الترتيبات الأساسية للطوارئ يجب أن يتم تجهيزه من قبل، والتدريب عليه، ووضع قواعد، قد يكون أهمها مصفوفة القرارات والمسؤوليات، إجراءات العمل، الموردين، اللوجستيات.

دور القيادة

في الأزمات، لا يحتاج الناس إلى عبارات تحفيزية بقدر حاجتهم إلى وضوح، يحتاجون إلى قائد يسمي المشكلة كما هي، ويرتب الأولويات، ويمنع الذعر من التحول إلى أسلوب إدارة، ويشرح ما الذي سيتغير وما الذي سيبقى ثابتاً، القيادة التي تنقل القلق إلى الفريق، أو تغير الاتجاه يومياً، أو تطلب الصمود من دون معالجة أسباب الاستنزاف، لا تبني المرونة، بل تقوضها.

ختاماً

تزداد أهمية هذا الموضوع اليوم، فالمؤسسات العامة والخاصة تعمل في بيئة تتطلب سرعة أكبر في التكيف، ورفعاً للإنتاجية، وقدرة أعلى على امتصاص التغيرات. وفي مثل هذا الواقع، لن تنجح المؤسسات فقط لأنها تملك ميزانية أو اسماً كبيراً، بل لأنها تملك وضوحاً داخلياً، وقيادة ناضجة، ونظام عمل لا ينهار عند أول اضطراب.

المرونة إذاً ليست رفاهية أو شعاراً، إنها قدرة يجب أن تُبنى بوعي، عبر مواجهة الواقع، وتوضيح الأدوار، وتقوية الثقة، وربط الجهد بالمعنى، وبناء أنظمة تسمح بالتكيف دون فوضى، والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تطرحه كل مؤسسة على نفسها ليس، هل لدينا موظفون مرنون؟ بل، هل صممنا العمل بطريقة تسمح للمرونة أن تظهر وتستمر؟

back to top