صراع النفوذ... نحن ضحيته

نشر في 18-03-2026
آخر تحديث 17-03-2026 | 17:18
 د. محمد المقاطع

حينما قرر الغرب وأميركا صناعة نظام الملالي في إيران كان السيناريو مدبراً! فإزاحة الشاه عن إيران عام 1979 كانت بتدبير منضبط، فقد استنفد دوره كونه شرطي المنطقة، والتي ارتهنت له خشية نفوذه، وحينما بدأ الشاه يعمل لمصلحته الشخصية ولمصلحة بلاده ويتوسّع بنفوذه الذاتي وخصوصاً في الخليج، وخرج عن المهمة التي صُنع لأجلها، قرر الغرب وأميركا التخلص منه!

كان السيناريو المناسب بثورة شعبية من الداخل! فبدأ التحضير لها، ووجدوا ضالتهم في تنفيذ هذه الثورة بـ «الخميني» الهارب المطلوب للنظام! فلا بد من تأهيله لتحقيق رمزية تمنحه قدرة على تحريك الشارع! فاحتضنه الغرب في باريس، وبدأ التلميع اللازم بخطبه التي تسجل وتوزّع، وكانت معطيات تحقيق ذلك السخط المعيشي الداخلي، والخطاب والمشاعر الدينية، وتوفير الدعم والحماية والتسليح للمعارضة الخمينية التي تعاظمت ككرة الثلج، فتمت الإطاحة بالشاه، وتم تسليم إيران إلى نظام الملالي!

وتوالت رعاية الغرب لنظام الملالي في حربه مع العراق وكان التحوّل تحديداً بعد نوفمبر 1984، فبعد أن كان الغرب إلى جانب العراق، تحوّل فجأة في غضون ستة أسابيع، بكل وسائل إعلامه، لدعم نظام الملالي تحت عنوان استخدام العراق للأسلحة الكيميائية وخصوصاً في حلبجة، فبدأت مرحلة تقوية النظام الجديد في إيران بشعار تصدير الثورة ليكون تهديداً مستمراً للمنطقة ودولها!

ومنح نظام الملالي المجال للاستقرار والتوسع تدريجياً!

وقد دخل الغرب مرحلة مراجعة إن كان سيسمح لإيران أن تفرض نفوذها في العراق وتسيطر عليه عند إسقاط صدام عام 1991! فقامت أميركا تحديداً بتأجيل إسقاط صدام 12 عاماً (2003) حتى تدبّر ترتيباتها لسيناريو تمكين إيران من العراق، بناء على اتفاق فيه قبول لنفوذ إيران وتقاسم فعلي لغنيمة الدولة العراقية بين إيران وأميركا تحديداً، وقد تم ذلك بسيناريو تدخل عسكري أميركي أسقط صدام وقام بتدمير المكوّن السني في العراق، وسمح لإيران بأن تبسط نفوذها وتتغلغل بلافتة دينية طائفية - وهي ركيزة التفجّر الدائم للمنطقة - وتم ذلك بتفاهم واضح، فتحصل أميركا على صناعة النفط العراقي وتواجد عسكري بقواعد عديدة، ويقوى سلطان إيران ونفوذها بالمنطقة، وسُمح لها بالتوسع في سورية على وَقْع، هذا التفاهم، بحجة محاربة «داعش»، على أن تكون في حالة تهادن مع الكيان الصهيوني، مع تقاسم النفوذ في سورية بين أميركا وروسيا وإيران والكيان الصهيوني.

وقد تعمّدت إيران في هذه المرحلة مد نفوذها بشكل أكبر في العراق وسورية وإقامة ميليشيات مسلحة في العراق وسورية مع تواجد للحرس الثوري، مما جعل نفوذ إيران يتعاظم، ومع امتداد نفوذها لليمن، بدأ القلق لدى أميركا والكيان الصهيوني من تزايد النفوذ الإيراني وهواجس الخشية الأميركية والإسرائيلية منه في الاستئثار لنفسه بنفوذه الجديد بالعراق ولبنان وسورية واليمن مع صناعاته الحربية والنووية المتسارعة، ووكلائه وما يشكلونه من تهديد للغرب والكيان الصهيوني.

فأصبح الصراع على النفوذ وتقاسم دول المنطقة وثرواتها بما فيه دولنا الخليجية غاية الصراع، مع تأمين الكيان الصهيوني من خطر إيران الإقليمي المتعاظم. فحدث الفراق بعد أن كان الوفاق والاتفاق.

وهو فراق صراع نفوذ بالمنطقة، فكان القرار هو إنهاء نفوذ إيران بدلاً من اقتسامه معها! فبدأت الحرب لأجل ذلك مع التخلص من القدرات العسكرية لإيران واحتمالات تهديداتها للكيان الصهيوني الذي بدأ الحرب ودفع ترامب لخوضها، تمهيداً لسيناريو بسط النفوذ الصهيوني على كل دول المنطقة لتحقيق حلمه بشرق أوسط جديد! 

وكان ضمن سياقاته توريطنا في الحرب، لكن حكمة حكام الخليج أفشلت هذا الجزء من المخطط! ومنعت وستمنع التمدد الصهيوني في المنطقة عموماً وفي دولنا خصوصاً. والحالة الدفاعية القسرية التي فرضت على دولنا وضعتنا أمام رؤية واضحة بشأن أهمية البناء الدفاعي الذاتي والاعتماد على تعزيز قدرات دولنا، تعزيزاً لمكوننا الخليجي الذي ينبغي تطويره لهذه المهمة، ومن ثم العربي والإسلامي! وقد أشرت في مقالة عام 1996 إلى ضرورة الاتحاد الفدرالي، تقوية لقدراتنا وحتى لا نكون ضحية تقاسم النفوذ في المنطقة، وهو مطلب أكثر إلحاحاً اليوم.

back to top