مقتل لاريجاني يربك النظام الإيراني ومجتبى «المتواري» يرفض التهدئة

• غارات إسرائيلية في طهران تقضي على «السياسي الأقوى» وقادة الباسيج
• قاليباف قد يرث دور لاريجاني
• مخاوف من قبضة «الحرس» بعد تعيين رضائي
• ترامب يحيي هدف «تغيير النظام»... ويستعرض خيارات الجيش لإنهاء الحرب

نشر في 18-03-2026
آخر تحديث 17-03-2026 | 18:32

في ضربة تعد الأقوى منذ اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الغارات الافتتاحية للحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، قتلت غارات إسرائيلية ليل الاثنين - الثلاثاء أمين مجلس الأمن القومي الأعلى الإيراني علي لاريجاني «67 عاماً»، الذي كان يعد السياسي المدني الأقوى في البلاد وينظر إليه على نطاق واسع، أنه المسؤول الأول عن القرار السياسي والدفاعي وسط الغموض الذي يحيط بمصير المرشد الجديد مجتبى خامنئي.

ويربك مقتل لاريجاني التوازن السياسي الدقيق للسلطات الإيرانية بعد مقتل خامنئي، فهو محسوب على المحافظين الوسطيين ولديه خبرة سياسية ودبلوماسية واسعة، وشارك أو أشرف على معظم المفاوضات حول الملف النووي.

وحذّر بعض المعلقين من أن اغتياله قد يشكل ضربة لمساعي التوصل إلى تهدئة مع واشنطن، وقد يحكم قبضة سيطرة الحرس الثوري على النظام السياسي لا سيما بعد الإعلان عن تعيين محسن رضائي القائد السابق للحرس وأكبر جنرالاته مستشاراً عسكرياً للمرشد الجديد، سط غياب شبه تام للرئيس مسعود بزشكيان المحسوب على الوسطيين.    

ونقل موقع «أكسيوس» عن مصادر مطلعة أن لاريجاني كان ضمن تيار يدفع نحو بدء مفاوضات سلام مع واشنطن وأنه قتل في شقة آمنة بطهران، بعد أيام من مشاركته العلنية في مسيرات عامة في «يوم القدس» في العاصمة الإيرانية.   

ورأى مراقبون أن مبادرة إسرائيل إلى اغتيال لاريجاني قد يكون محاولة منها للقضاء على أي محاولات للتسوية، في مسعى لإطالة أمد الحرب وتوجيه مزيد من الضربات إلى نظام الجمهورية الإسلامية. 

غير أن محللين آخرين أشاروا إلى أن لاريجاني كان بمنزلة جناح احتياطي لدى المرشد الأب علي خامنئي والأصوليين وأنه كان مشاركاً في معظم القرارات الإيرانية التي أوصلت طهران إلى حرب مدمرة مع الولايات المتحدة القوة العسكرية الأولى في العالم. 

وقتل في سلسلة الغارات مع لاريجاني قائد قوات «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري»، غلام رضا سليماني، ونائبه سيد قريشي و10 من قادة المؤسسة الأمنية الشعبية بغارة جوية نفذها سلاح الجو على طهران.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أول من أعلن رسمياً عن مقتل لاريجاني، بعد نحو ساعتين من إعلان الجيش الإسرائيلي أنه استهدفه ويتحقق من النتيجة.

فرصة للتحرك 

وتعليقاً على الضربة التي تأمل بعض الأوساط العبرية أن تحدث تحولاً كبيراً لحسم المعركة، نقلت القناة الـ 14 عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي نشر صورة وهو يعطي الأوامر بالعملية التي اغتالت لاريجاني، قوله «نحن نصنع هنا شرق أوسط جديداً ونشكل نظاماً جديداً حقيقياً نابعاً من القوة وليس وردياً كما كانت رؤية شيمون بيريز» في إشارة إلى سلفه الراحل مهندس اتفاقية أوسلو للسلام مع الفلسطينيين. وفيما إشارة إلى أن إسرائيل تريد من الاغتيال إعادة تحريك الشارع الإيراني، قال نتنياهو إنه «بقتل لاريجاني نمنح الشعب الإيراني فرصة ليقرر مصيره».

وأضاف: «نحن نقوض النظام الإيراني على أمل إعطاء الشعب فرصة لإزالته. إزالة النظام لن تحدث بسهولة ودفعة واحدة».

بدوره، شدد وزير الخارجية جدعون ساعر على أن الإيرانيين وحدهم هم من سيقرر مصير النظام الإيراني، وأن إسرائيل تعمل على تهيئة الظروف لمنح الإيرانيين حريتهم مضيفاً أنه لا يمكن إسقاط النظام إلا بحراك داخلي من الإيرانيين.

ظهور معنوي لمجتبى 

ووسط حالة الارتباك التي سادت في طهران، حاول إعلام النظام تأجيل الإعلان عن مقتل لاريجاني، حيث تم الترويج لرسالة باسمه سيتم نشرها ما أوحى بأنه لا يزال حياً. لكن في وقت لاحق تم نشر رسالة مكتوبة بخط اليد من لاريجاني، ينعى فيها 84 من أفراد البحرية الذين قُتلوا بضربة من غواصة أميركية أغرقت السفينة الحربية الإيرانية (دينا) قبالة سيرلانكا في بداية الحرب وذلك بالتزامن مع التحضيرات لجنازة وطنية لهم. 

وبعد دقائق قليلة من إعلان كاتس مقتل لاريجاني، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني بأن  المرشد الجديد مجتبى خامنئي المتواري عن الأنظار رفض مقترحات خفض التوتر أو السلام مع أميركا.

وأوضح المسؤول أن المرشد الذي لم يظهر للعلن بالصوت أو الصورة منذ الإعلان عن تكليفه بخلافه والده، رفض مقترحات أرسلتها دولتان وسيطتان إلى وزارة الخارجية، من أجل تهدئة التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، وذلك خلال أول اجتماع له بشأن السياسة الخارجية.

وأضاف أن موقف مجتبى الخاص بالثأر من واشنطن وتل أبيب «حازم وجاد للغاية». لكن المسؤول لم يوضح ما إذا كان مجتبى قد حضر الاجتماع شخصياً.

وبالتزامن مع ذلك، وبعد أيام من الصمت على تقرير «الجريدة» حول نقل مجتبى إلى روسيا للعلاج بعد إصابته في اليوم الأول من الحرب، نقلت وكالة «تاس» الروسية عن السفير الإيراني في موسكو كاظم جلالي نفيه أن يكون مجتبى موجوداً في روسيا للعلاج. ولا يعني نفي جلالي الكثير، نظراً إلى سجل إيران في نفي أنباء يتضح بعد حين أنها صحيحة، إلا في حال تمكنت إيران من تقديم دليل صلب على أن مجتبى موجود فعلاً في إيران.    

خطاب لافت لقاليباف 

وفي وقت توقعت مصادر أن ينتقل دور لاريجاني في النظام تلقائياً إلى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي أدار عملياً حرب الـ 12 يوماً بتفويض مباشر من خامنئي الأب، برز خطاب شامل لقاليباف أكد فيه أن واشنطن لن تفرض إرادتها على النظام الجديد الذي سيسود الشرق الأوسط بعد الحرب.

وأكد قاليباف الذي ارتدى بزة لون عسكري خلال إدلائه بالتصريحات أمس: «سيتغير وجه الشرق الأوسط ‌ونظامه، ولكن ليس وفقاً للخطط الأميركية. نحن، الدول ​الإسلامية ​في ⁠المنطقة، سنرسخ النظام والأمن ​الإقليميين فيما ​يتعلق ⁠بالبعدين الاقتصادي والأمني». ورأى أنه يتعين ⁠على ​القوات ​الأميركية مغادرة المنطقة.

وأكد أنّ «الأعداء كانوا يخططون للانتصار على إيران خلال 72 ساعة، لكن النتيجة اليوم هي أن جميع القواعد الأميركية أصبحت هدفاً لإيران».

وزعم أن «مضيق هرمز مغلق الآن. لم نرد إغلاقه، لكنه أغلق. ولم يعد هرمز قادراً على العودة إلى وضعه السابق، لأن الأمن لم يعد موجوداً مع وجود الولايات المتحدة والنظام الصهيوني في المنطقة».

وهدد بأن الوضع في مضيق هرمز لن يعود أبداً لما كان عليه قبل العدوان الأميركي والإسرائيلي على إيران.

ورأى أن «الهدف الوحيد» الذي حققته الولايات المتحدة وإسرائيل هو اغتيال خامنئي، لكن «النظام لم يُسقط، وجاء خامنئي الشاب ليحل محله».

وفي رده على تصريحات المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين بأن طهران تعاني من عجز في صنع الصواريخ وأن قدرتها الصاروخية انتهت، أوضح قاليباف أن «إيران تمتلك مخزونات كافية من الصواريخ والطائرات المسيرة المصنعة محلياً»، مشيراً إلى أن بلده «طورت منظومتها العسكرية بعد حرب الـ 12 يوماً، ولم يعد بإمكان العدو استهدافها وتدميرها».

ضربات متواصلة 

وواصلت المقاتلات والطائرات المسيرة الإسرائيلية استهداف حواجز لقوات «الباسيج» التي تستخدم في قمع الاحتجاجات إضافة إلى مقار أمنية بينها وزارة الاستخبارات في طهران، حيث أفادت المعلومات بقصف 8 حواجز ومعسكر كبير في شمال العاصمة. 

وشهدت مناطق مركزية متفرقة من طهران وضواحيها، بالإضافة إلى مناطق في مدينة كرج، سلسلة انفجارات عنيفة.

نتنياهو: نشكل نظاماً إقليمياً نابعاً من القوة وليس وردياً كما كانت رؤية بيريز

في موازاة ذلك، أكدت القيادة الوسطى الأميركية «سنتكوم» أنها تواصل «اصطياد وتدمير» الأهداف الإيرانية التي تشكل خطراً على الأميركيين والدول المجاورة لإيران.

وأتى ذلك في وقت أشارت البحرية الأميركية إلى أن اثنتين من سفنها الثلاث المتمركزة في الخليج والمخصصة لمكافحة الألغام أبحرت لمسافة 4 آلاف ميل إلى ماليزيا لإجراء «توقف لوجستي»، ونشرت فيديوهات لسفن حربية تنقل مشاة إلى الشرق الأوسط قبالة سنغافورة حيث تستعد الولايات المتحدة لإطلاق تحالف دولي بهدف تأمين الملاحة في مضيق هرمز ومنع إيران من عرقلة المرور نحو 20% من صادرات النفط والغاز العالمية.

مطالب ومخارج

على الجانب الأميركي، قال الرئيس دونالد ترامب إنه تم استهداف أكثر من سبعة آلاف هدف في أنحاء إيران ما أدى إلى تراجع في قدراتها الصاروخية بنسبة 90%. وانتقد ترامب عدم تحمس بعض الدول للمساعدة في إعادة فتح هرمز.

وذكر أن إيران تواصلت مع الولايات المتحدة، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه لا يعلم ما إن كانت هذه الأطراف التي تتواصل مع واشنطن مفوضة لإبرام صفقة، ومضيفاً أنه ليس لديه أدنى فكرة عن هويتهم.

سجال بين ويتكوف وعراقجي حول استعادة فتح قنوات التواصل

ورغم تشكيكه في جاهزية طهران لإبرام صفقة، قال ترامب إنه لا يعارض المحادثات مع الإيرانيين «لأن أشياء جيدة تخرج منها أحياناً»، لافتاً إلى عدم وضوح من يتخذ القرارات في إيران لأن «العديد من كبار المسؤولين قد قُتلوا».

وذكر أن المرشد الجديد مجتبى خامنئي لم يظهر علناً و«قد يكون في عداد الموتى أو تشوه بشكل كبير وفقد إحدى رجليه».

وأمس، نقلت «إن بي سي» عن مصادر أن ترامب كلف مساعديه تجهيز خيارات لإنهاء الحرب تتضمن ضرورة تغيير النظام في إيران واستسلامه بشكل غير مشروط وتدمير القدرات النووية.

وكشفت الشبكة أن المسؤولين العسكريين الأميركيين قدموا خيارات لترامب لإنهاء الحرب إذا أراد ذلك، لكنها أشارت إلى أنه لم يتبن أي من تلك الخيارات تم تضمينها في التخطيط العسكري الاعتيادي للحرب.

وبحسب المعلومات فإنه مع اتساع نطاق الصراع، واستمرار إغلاق إيران لهرمز، فإن الشروط المعلنة والجدول الزمني لإنهاء الحرب في حالة تغير.

وأشار مصدران إلى أن مساعدي الرئيس يدفعونه في اتجاهات مختلفة، إذ أعرب المؤيدون لاستراتيجية الخروج عن قلقهم إزاء عدم استقرار الاقتصاد العالمي منذ بدء الحرب، في حين ركز آخرون على الفرصة لإضعاف نفوذ إيران في المنطقة.

تواصل ونفي

وفي وقت سابق، نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أميركي ومصدر مطّلع أنه جرى تفعيل قناة اتصال مباشرة بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لكن الأخير نفى حدوث أي تواصل منذ بدء الحرب التي جاءت بعد عقد جلستين من المفاوضات بوساطة عمانية.

غارات تستهدف نقاط تفتيش في طهران

وذكر الموقع أن عراقجي وجّه رسائل نصية إلى ويتكوف تمحورت حول إنهاء الحرب، مشيراً إلى أن ترامب منفتح على التوصل إلى صفقة تسمح لإيران بـ «الاندماج مع بقية العالم» والاستفادة اقتصادياً من صادراتها النفطية.

في المقابل، قال عراقجي عبر منصة «إكس»: «كان آخر اتصال لي بالسيد ويتكوف قبل قرار صاحب عمله بقتل الدبلوماسية عبر شنّ هجوم عسكري غير قانوني آخر على إيران» في إشارة إلى تكرار سيناريو حرب الـ 12 يوماً التي اندلعت منتصف العام الماضي بخضم جولات التفاوض بين واشنطن وطهران.

واعتبر عراقجي أن أي ادعاءات بخلاف ذلك يهدف فقط إلى «تضليل تجار النفط وخداع الرأي العام».

اعتقالات ومصادرة

على الصعيد الأمني، هدد رئيس السلطة القضائية غلام حسين إجئي بمصادرة ممتلكات «المتعاونين في الخارج والداخل مع العدو وفق القانون»، فيما أعلن جهاز المخابرات توقيف ⁠10 ​أجانب ​بتهمة «جمع ‌معلومات عن ​مواقع حساسة ⁠والإعداد لعمليات ​ميدانية ⁠في ‌شمال شرق إيران».

لاريجاني... «الفيلسوف الاحتياطي» لنظام المرشد

برز أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني كواحد من أهم الشخصيات في إيران خلال الأشهر الأخيرة.

لاريجاني، البالغ من العمر 67 عاماً، بدأ حياته كأغلبية المسؤولين الإيرانيين في صفوف الحرس الثوري خلال الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن ينتقل للعمل في الأدوار السياسية.

وشغل لاريجاني منصب رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، وكبير المفاوضين النوويين لإيران، ورئيس البرلمان الإيراني، لمدة 12 عاماً حتى عام 2020، كما أصبح يحظى باهتمام متزايد وثقة كبيرة من جانب المرشد الراحل علي خامنئي فيما يتعلق بالقضايا الأمنية، وذلك عقب تعيينه مستشاراً له في عام 2004.

وينحدر لاريجاني من عائلة دينية ذات نفوذ واسع، إذ يُعد أحد أشقائه، صادق، من كبار رجال الدين (بمرتبة آية الله) والرئيس السابق للسلطة القضائية.

كما كان لاريجاني أكاديمياً مرموقاً، فبعد أن تلقى تعليمه الأولي في مجالَي الرياضيات وعلوم الحاسوب في «جامعة شريف» للتكنولوجيا، حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة طهران، وألّف العديد من الكتابات والدراسات حول أعمال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط.

قاليباف: واشنطن لن تفرض إرادتها بعد الحرب وعليها مغادرة المنطقة

ويشير المحللون إلى أنه ورغم النظرة التي سادت حول لاريجاني باعتباره شخصية «براغماتية» أكثر منها «متشددة أيديولوجياً»، فإنه يظل ملتزماً التزاماً راسخاً بضمان بقاء الجمهورية الإسلامية، بصفتها النظام الحاكم في إيران.

ومنذ اندلاع الصراع، دأب لاريجاني على توجيه الانتقادات والتحديات المتكررة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، كما لعب دوراً محورياً في صياغة الاستراتيجية الحربية لبلده.

وفي منشورٍ له عبر منصة «إكس»، عقب اندلاع الصراع، كتب لاريجاني قائلاً: «على عكس الولايات المتحدة، لقد أعدّت إيران نفسها لخوض حرب طويلة الأمد».

وفي تغريدته قبل الأخيرة، نشر لاريجاني لائحة اغتيالات أصدرتها الولايات المتحدة وإسرائيل لكبار قادة إيران وكتب تعليقاً عليها: «قال الإمام الحسين عليه السلام: إني لا أرى الموتَ إلا سعادةً، ولا الحياةَ مع الظالمين إلا بَرَماً».

back to top