الأزمات... واختبار الأصدقاء *

نشر في 18-03-2026
آخر تحديث 17-03-2026 | 15:58
 بدور المطيري

قبل أسابيع وصلت إليّ رسالة قصيرة من صديقة عربية لم تكتب الكثير، اكتفت بكلمتين: «أنا معك».

كلمتان، لكنهما كانتا تساويان الكثير في تلك اللحظة. في المقابل، صمت آخرون كُنت أظن أن ما بيننا ما يكفي من السنوات والذكريات. لم أطلب موقفاً سياسياً ولا بياناً، كان يكفيني ما فعلته تلك الصديقة، أن أشعر بأن أحداً إلى جانبي، ولو معنوياً. ولكن في الأزمات تتضح المواقف، لأن الحروب لا تُغيِّر معادن الناس، بل تكشفها.

مَنْ يعرفني عن قُرب يعرف أنني أُجيد التحدُّث بأكثر من لهجةٍ عربية بإتقان شديد. لم أتقنها لأن لي جذوراً فيها، بل بحُكم الصداقات والزمالات التي صنعت جذورها مع الوقت، وامتدت في القلب كما امتدت في الذاكرة.

وتعلَّمت ذلك أيضاً من أكثر من خمسة عشر عاماً قضيتها في الصحافة. خلال تلك السنوات عرفت أصدقاء وزمالات في كل بلدٍ عربي لم يكونوا يوماً مصادر خبر ولا معارف عابرة، بل رفقة، جمعتنا زمالة الفكر والقلم والثقافة. لهذا تحديداً كان بعض ما رأيته في الأيام الأخيرة مؤلماً، ليس لأن اختلاف الآراء أمر مستغرب، بل لأن بعض المواقف جاءت من حيث لا أتوقع.

ورغم ذلك لا أكتب هذه الكلمات عتاباً، فالعتب لا يصنع فهماً، إنني أبحث عن الفهم أكثر من أي شيءٍ آخر.

حقيقة، تبدو بعض المشاهد اليوم مُربكة لأبناء الخليج، والكويت تحديداً، كلمات قاسية هنا، وتعليقات ساخرة هناك، ومقالات استفزازية، وصمت بارد من أشخاص كان الخليج جزءاً من حياتهم أو أحد معارفهم.

ومع ذلك، من الإنصاف القول إن الصورة ليست واحدة، فكما ظهرت كلمات قاسية، ظهرت أيضاً مواقف وفية وصادقة، وعلى وجه الدقة كثير منها جاءت من أُناس عاديين لا يشغلهم الجدل الثقافي ولا ضجيج المنابر، أُناس لم ينسوا العِشرة.

أفهم أن علاقة العرب بالخليج ليست علاقة بسيطة، حيث فيها تاريخ طويل من الأمل والخيبة. وربما لأن دول الخليج انشغلت خلال العقود الماضية ببناء الاستقرار والتنمية، فيما كانت مناطق عربية أخرى تواجه أزمات وصراعات طويلة، نشأت فجوة اقتصادية واضحة بين التجربتين. هذه الفجوة، التي تشكَّلت عبر عقود، خلَّفت مقارنات لم تكن دائماً عادلة، وأنتجت أحياناً حساسية تظهر في طريقة الحديث عن الخليج.

لكن الخليج لم يكن يوماً قصة منفصلة عن النسيج العربي، في مُدنه عاش ملايين العرب، وأعطوا وأخذوا، وتركوا بصمة في حياته، كما تركت هذه المدن بصمة في حياتهم. وكما فتح الخليج أبوابه للناس، لم يغلق يوماً قلبه عن قضاياهم، فكان حاضراً بكلمته وموقفه ودعمه حين ضاقت بهم السُّبل.

هذا ليس فضلاً من طرفٍ على طرف، بل هو تاريخ مشترك. وربما كان لأن الخليج آمن بالحلم العربي، في أبسط معانيه، وهو أن يقف العرب مع بعضهم حين تضيق الأيام. لهذا أظن أن إعادة بناء الثقة بين العرب والخليج لن تبدأ بالبيانات ولا بالمواقف الرسمية، ستبدأ بما بدأت به صديقتي: «أنا معك».

فالأزمات لا تكشف الناس فقط، بل تدفعهم أيضاً إلى مراجعة أنفسهم، فيتساءل حينها الإنسان: مَنْ بقي قريباً؟ ومَنْ ابتعد؟

الأمر لا يختلف بين الدول، فالعلاقات مثل الصداقات، تكشف حقيقتها في الأزمات. فحين تضيق الأيام يعرف الإنسان مَنْ وقف معه ومَنْ صمت، فالأزمات تمر، لكن المواقف تبقى.

 * يُنشر بالتزامن مع صحيفتي سبق السعودية والشرق القطرية

back to top