الحل في موسكو
«أتيت، من ثم رأيت، وعليه تغلبت»- يوليوس قيصر. لم يقلها قيصر بطبيعة الحال مزاحاً أو إسقاطاً، لكن من واقع وتجربة عملية، وسنوات متتالية في قيادة عمليات عسكرية معقدة. هكذا هي الحروب، تصنع رموزاً حقيقية، وأخرى وهمية، لها تجارها وشخصياتها، وخساراتها التي لا تُعد ولا تُحصى. وبطبيعة الحال، أعظم الخسائر في الواقع تكون على شكل خسائر بشرية من جنود ومدنيين، وإن كان عددهم بسيطاً، إلا أن خسارة أي نَفْس بشرية تكون فاجعة على مستوى البلاد قاطبة. فاللهم ارحم شهداءنا الأبرار، وأسكنهم في عليين.
توجد أيضاً خسائر خفية، إن صح التعبير، لا نُدركها ولا نلحظها بشكلٍ مباشر، بل يكون المحظوظ منا هو مَنْ يلمحها، وإن كانت بعد حين.
في لحظة عودتي من «الجاخور» في عطلة قصيرة مع الأهل ونحن نستمع إلى الأخبار عبر الأثير، ناقلاً أمتعة إلى داخل المنزل، وإذ بطفلين يمران، لم يتجاوز الواحد منهما العاشرة من العُمر. النقاش والصراخ كان فحواهما هو «أنت يا هذا لا تعرف الفرق بين الصفارات. متقطعة الصوت تعني هذا وليس ذاك!».
هنا فقط ينتبه المرء إلى أن حديث الطفولة في الحروب يتغيَّر جذرياً. لم يعد الأطفال يتكلمون عن أمورهم الاعتيادية، بل أصبحوا يحللون «عسكرياً» واقعاً يعيشونه. هنا أيضاً تكمن الخسارة الحقيقية للحروب والنزاعات، وكيف لها أن تُصبح ضلعاً جديداً في معادلة صعبة جداً على المستوى السيكولوجي. أولئك الصبية، كيف سيكبرون؟! ما القصص والأحاديث التي يمكن لهم أن يتناقلوها؟! كيف سيشب الواحد منهم ولديه من الذكريات والمرارة ما لديه؟!
ربما تكون هذه الأسئلة موجهة للباحثين الاجتماعيين، وتكون فحوى دراسة اجتماعية نفسية مطوَّلة لمعرفة التغيُّرات التي تطرأ على الأجيال اليافعة إبان الحروب.
عموماً، إيران عدو بيِّن، لم تكتفِ بسرقة أرواح الشهداء على أرض الوطن، بل سرقة حتى طفولة الصغار. والله كريم، وهو المستعان.
على الهامش: يعجز اللسان عن وصف الحال مع خامنئي جونيور (الابن)، فتارة يصرح بالتعامل والتعاون البنَّاء، وتارة أخرى يستمر في عداء الجيران، ويُصرح بالاستمرار في إغلاق مضيق هرمز، كأداةٍ للضغط.
المهزلة تكمن في تنفيذ أكثر من ٣٣٠٠ هجوم على دول الخليج، مقابل ٥٥٠ على إسرائيل. أي انفصام هذا يا جونيور؟!
هامش أخير: نقل «جونيور» إلى روسيا، وفق ما ذكرت جريدة الجريدة بتاريخ ١٤ مارس، يفتح الباب لعدة تساؤلات؛ هل القيادة فعلاً لدى خامنئي (جونيور)؟! فعل روسيا نكايةً بأميركا واضح، لكن هل هذا هو القصد؟! أسئلة كثيرة لها وقتها مع مرور الزمن. الاعتقاد لدي شخصياً أنها رسالة للرئيس ترامب، فحواها التالي: إذا أردت التفاهم على القيادة الجديدة، وتسليم السُّلطة في إيران، فطريق هذا كُله يبدأ وينتهي من موسكو.